حرية | تقرير تحليلي |14 آذار 2026 – إعداد: القسم الاقتصادي
حذّر وزير الكهرباء العراقي الأسبق لؤي الخطيب من أن العراق قد يكون أكبر المتضررين اقتصادياً وأمنياً من الحرب الإقليمية الدائرة، خصوصاً في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة وتزامنها مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل تصدير النفط وتأخر تشكيل حكومة قادرة على إدارة الأزمة.
وفي تحليل اقتصادي نشره وعلّق فيه على تطورات الحرب خلال الأيام الأخيرة، أوضح الخطيب أن الاقتصاد العراقي يقف أمام سلسلة مترابطة من الأزمات قد تبدأ بانخفاض الإيرادات النفطية ولا تنتهي عند أزمة الطاقة والوقود في الداخل.
انخفاض الصادرات يهدد الخزينة العامة
يشير الخطيب إلى أن أي تراجع في مستوى الصادرات النفطية سيؤدي مباشرة إلى انخفاض إيرادات الخزينة الاتحادية، وهو ما سيضيف ضغطاً إضافياً على العجز في الموازنات الحالية والمستقبلية، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية.
وبحسب تقديره، فإن تعطل التصدير والمنافذ الحدودية لمدة قد تصل إلى 45 يوماً منذ بداية الحرب سيؤدي إلى شحة مالية واضحة في الدولة، لافتاً إلى أن العراق قد يضطر إلى بيع كميات محدودة من النفط عبر الأردن وتركيا بخصومات كبيرة تصل إلى 30% أقل من سعر خام برنت لتصريف ما يقارب 150 ألف برميل يومياً فقط، وذلك بسبب محدودية سعات النقل والأنابيب المتاحة.
ضغوط على الرواتب والإنفاق الحكومي
انحسار الإيرادات – بحسب التحليل – قد يفرض على الحكومة مراجعات مؤلمة في السياسة المالية، من بينها إعادة النظر في سلم الرواتب والنفقات العامة، خصوصاً في ظل تضخم الجهاز الحكومي واعتماد ملايين العراقيين على الرواتب الحكومية كمصدر دخل رئيسي.
ويحذر الخطيب من أن استمرار الحرب سيجعل إدارة المالية العامة أكثر تعقيداً في بلد يعتمد على الاقتصاد الريعي، ما قد يدفع الحكومة إلى إجراءات تقشفية غير شعبية.
سعر الصرف: الخوف الشعبي هو العامل الأكبر
وعلى صعيد سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، يرى الوزير الأسبق أن ارتفاع الدولار في السوق المحلية لا يعكس بالضرورة ضعفاً اقتصادياً حقيقياً في الوقت الحالي، إذ إن الاحتياطيات النقدية والذهب لدى البنك المركزي العراقي ما تزال في مستويات جيدة.
لكن السبب الرئيس لتدهور سعر الصرف – بحسب تحليله – هو الخوف الشعبي من تكرار تجربة التسعينيات، عندما اضطرت الحكومة آنذاك إلى طباعة العملة المحلية دون غطاء حقيقي وسحب الاحتياطيات النقدية مع انهيار الصادرات النفطية خلال فترة الحصار.
أزمة طاقة محتملة هذا الصيف
أحد أخطر التحذيرات في تحليل الخطيب يتعلق بقطاع الطاقة. فالعراق – بحسب تقديره – قد يواجه أزمة كهرباء شديدة هذا الصيف إذا استمرت الحرب وتعطل إمدادات الطاقة.
ويشير إلى أن الطلب المتوقع على الكهرباء سيتجاوز 50 ألف ميغاواط، بينما لن تتمكن منظومة الإنتاج من توفير أكثر من نصف هذا الطلب، خصوصاً في حال توقف استيراد الغاز الإيراني الذي تعتمد عليه محطات الكهرباء العراقية بشكل كبير.
كما أن الغاز المحلي المستخدم في تشغيل بعض المحطات هو غاز مصاحب لإنتاج النفط، ما يعني أن أي تراجع في إنتاج الحقول النفطية نتيجة أزمة التصدير سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض إمدادات الغاز المحلي أيضاً.
أزمة وقود محتملة بسبب النفط الأسود
التحليل يلفت أيضاً إلى احتمال حدوث أزمة وقود داخلية إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة.
فالنفط الأسود – وهو أحد المخرجات الرئيسية للمصافي العراقية – يمثل نحو 50% من إجمالي إنتاج المشتقات النفطية. ومع محدودية القدرة على تصديره بسبب إغلاق الممرات البحرية وضعف القدرة التخزينية، قد تضطر المصافي إلى خفض إنتاجها، ما قد يؤدي إلى تعطّل جزء كبير من الطاقة التكريرية التي تعالج حالياً نحو 1.2 مليون برميل يومياً.
ويضيف الخطيب أن تقادم العديد من المصافي العراقية يجعل المنظومة أكثر هشاشة أمام أي اختناق في التصدير أو التخزين.
مقارنة تاريخية وتحذير سياسي
ويرى الوزير الأسبق أن مثل هذا التدهور الاقتصادي كان يمكن السيطرة عليه في فترات سابقة بسبب الطابع الاستبدادي للنظام السياسي آنذاك، لكن الوضع اليوم مختلف في ظل نظام سياسي تعددي وارتفاع سقف التوقعات الشعبية.
ويحذر من أن التذمر الشعبي قد يتصاعد سريعاً إذا ترافقت الأزمة الاقتصادية مع تأخر الإصلاحات الحكومية.
دعوة لإصلاحات اقتصادية جذرية
وفي ختام تحليله، شدد الخطيب على أن العراق بحاجة إلى حركة توعوية وطنية تهيئ المجتمع لتقبل إصلاحات اقتصادية عميقة، معتبراً أن الأزمة الحالية يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي.
لكنه أكد أن تحقيق ذلك يتطلب حكومة يقودها فريق اقتصادي محترف بمعايير عالمية ويتمتع بصلاحيات واسعة لإجراء الإصلاحات دون تدخل المصالح الحزبية في الاقتصاد.
خلاصة التحليل
يرى الخطيب أن العراق يقف أمام معادلة صعبة:
إذا استمرت الحرب وتعطل تصدير النفط وارتفعت كلفة الطاقة والنقل، فإن الاقتصاد العراقي قد يواجه سلسلة أزمات متتالية تشمل الإيرادات والعملة والطاقة والوقود.
لكن في المقابل، فإن التعامل المبكر مع هذه الأزمة عبر إصلاحات مالية واقتصادية حقيقية قد يحولها – بحسب وصفه – من خطر استراتيجي إلى نقطة تحول في بناء اقتصاد أكثر استدامة.







