وكالة حرية | الاحد 13 تموز 2025
بقلم: احمد الحمداني
في زمنٍ يتراجع فيه الكثيرون، ويتلكأ فيه بعضهم عن أداء الواجب، يُطل العراق من بين رماد الأزمات كعادته، ويمد يده لإخوانه العرب ليس بمال ولا خطاب، بل برجاله وأفعاله ومواقفه.
اليوم، ترسل وزارة الداخلية العراقية، عبر الدفاع المدني، قوافلها ورجالها إلى الأراضي السورية، لمساندة الأشقاء في إخماد الحرائق التي التهمت الجبال والبساتين والمنازل. عشرات العجلات المختصة ومئات الأبطال العراقيين من الشرطة الاتحادية والدفاع المدني المعروفين بـ “الجيش الأزرق” يزحفون نحو النار، لا يخشون دخانًا ولا لهبًا، بل يحملون في صدورهم ما يفوق المياه فاعلية الضمير العربي، والشهامة العراقية.
هذه المبادرة ليست حالة استثنائية في تاريخ العراق، بل هي امتداد لنهجٍ أصيل درجت عليه هذه الأرض منذ أن كانت مهدًا للحضارات، ومنبعًا للرجال، وحاضنة للكرامة العربية.
لقد كان العراق في قلب قضايا الأمة دائمًا ففي حرب تشرين عام 1973، أرسل العراق قواته العسكرية لتشارك على الجبهتين السورية والمصرية، وسُجّل له دور مشرف في الدفاع عن دمشق.
وفي لبنان، وقف العراق إلى جانب المقاومة الوطنية والجيش اللبناني في أحلك الظروف، بل وفتح مؤسساته التعليمية أمام الطلاب اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين.
وفي السودان، وفي اليمن، وفي فلسطين، وفي كل محنة عربية… لم يتأخر العراق لحظة، رغم جراحه، رغم العقوبات، رغم الحروب التي حاولت إنهاكه، لكنه ظل واقفًا، يؤمن أن “الضمير لا يعرف الحصار”.
ليست المساعدات العراقية الأخيرة إلى سوريا مجرد إرسال فرق إطفاء، بل رسالة سياسية وإنسانية وأخلاقية: “نحن لا ننسى إخوتنا… ولا نغلق حدود النخوة.”
في وقتٍ يطغى فيه الحساب السياسي على الاعتبارات الإنسانية، يأتي العراق ليؤكد أن الدول العظيمة تُقاس بمواقفها في الشدائد، لا بحجم اقتصادها فقط.
الشعب العراقي، الذي تحمل ويلات الإرهاب والحصار والاحتلال، لم يتحول إلى شعب ناقم، بل ظل وفيًا لقيمه الأصيلة، محافظًا على جوهره العربي العميق. فالشجاعة التي أظهرها أبطال الدفاع المدني في السنوات الماضية بإخماد الحرائق في جبال كردستان، أو في إنقاذ العوائل أثناء الفيضانات، تتكرر اليوم خارج الحدود. وها هو العراق يؤكد مجددًا أنه ليس حارسًا لحدوده فقط، بل سندًا لكل من يستنجد.
حين نتحدث عن العراق، فنحن لا نتحدث عن جغرافيا فقط، بل عن معنى… عن بلد لا يخشى الألم، ولا يساوم على المبادئ، ولا ينسى الشقيق مهما باعدت بينهما الجراح.
رجال الدفاع المدني الذين شدوا الرحال إلى سوريا هم أبناء أولئك الذين بنوا الحضارة السومرية، وسنّوا أول القوانين، ودوّنوا أول الأبجديات إنهم من سلالة الشجعان الذين أوقفوا الغزاة، وكتبوا بدمائهم حكايات الأرض.
تحية إلى كل يد عراقية أُرسلت لتطفئ نارًا لا تخصها لكنها تؤمن أن حرائق الأشقاء تحرق الجميع إن تُركت.
وتحية لبلدي العراق، بلد الحكمة والكرامة الذي كلما حاول العالم تهميشه، عاد وفرض نفسه بموقف…وبأخلاق وببطولة.







