حرية | 6 آذار 2026
بقلم : دريد توفيق
لم تكن أزمة تشكيل الحكومات في العراق مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى معضلة بنيوية تكشف عن فجوات دستورية عميقة في بنية النظام السياسي. فالدستور العراقي، الذي صُمم ليكون إطاراً لتنظيم تداول السلطة، لم يتضمن معالجة واضحة لحالات الانسداد السياسي الطويل، حين تتعطل عملية تشكيل الحكومة نتيجة صراع الكتل وتضارب مصالحها. وفي مثل هذه اللحظات الحرجة، يظهر خلل واضح في آلية الحل؛ إذ إن المخرج الدستوري الوحيد تقريباً يتمثل في حل مجلس النواب والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو قرار بيد السلطة التشريعية نفسها، أي بيد النواب الذين يُطلب منهم عملياً التصويت على إنهاء ولايتهم السياسية. وهذه المفارقة تجعل الحل الدستوري نظرياً أكثر منه عملياً، لأن من الصعب سياسياً أن يصوّت النائب على إنهاء موقعه وإعادة خوض انتخابات غير مضمونة النتائج، كما أن من المستبعد أن تتشكل أغلبية برلمانية مستعدة لتحمل هذه المخاطرة الجماعية.
هذا الانسداد قاد في لحظات معينة إلى تدخل السلطة القضائية بوصفها الفاعل القادر على تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي. وقد ظهر ذلك جلياً في مسألة تفسير مفهوم “الكتلة الأكبر”، وهي العقدة التي كثيراً ما أعاقت تشكيل الحكومات منذ عام 2010. وعندما يعاد طرح تفسير المحكمة الاتحادية العليا أو يُعاد النقاش حوله، فإن ذلك لا يمثل مجرد نقاش قانوني، بل يعكس محاولة لإعادة ضبط التوازنات السياسية وفتح نافذة للخروج من حالة الجمود. فالتفسير القضائي هنا يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، بما يسمح بإعادة تفعيل العملية الدستورية وإطلاق مسار تشكيل الحكومة من جديد.
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بإمكانية تشكيل الحكومة، بل بما سيحدث بعد تشكيلها. فالمنطقة تمر بمرحلة شديدة التعقيد، مع تصاعد الصراعات الإقليمية التي بات بعض المحللين يصفها بأنها ملامح “حرب الشرق الأوسط الجديد”. ومثل هذه الحروب لا تقف آثارها عند حدود المعارك العسكرية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الخرائط السياسية والجغرافية والديمغرافية، وغالباً ما تؤدي إلى إعادة إنتاج النخب السياسية أو بروز قوى جديدة تتناسب مع مخرجات الصراع. ومن هنا فإن العراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتداخل مصالحه مع القوى الإقليمية والدولية، لن يكون بمعزل عن هذه التحولات.
إن المنطق السياسي يشير إلى أن أي حرب كبرى في الإقليم ستفرض بالضرورة إعادة نظر في منظومة التحالفات الداخلية داخل العراق. فالقوى السياسية لا تتحرك بمعزل عن البيئة الإقليمية، بل تعيد حساباتها وفقاً لموازين القوى الجديدة التي قد تنتج عن الصراع. ومن هنا يصبح من الطبيعي توقع تحولات في المواقف السياسية لبعض القوى التي اتخذت في مراحل سابقة موقف المقاطعة أو الانكفاء عن العملية السياسية. فكتلة سياسية بحجم التيار الصدري، على سبيل المثال، لا يمكن أن تبقى خارج المعادلة السياسية إلى ما لا نهاية، خصوصاً في ظل تغير الظروف الإقليمية والداخلية، ما قد يدفعها في مرحلة لاحقة إلى إعادة التموضع داخل المشهد السياسي.
وفي السياق ذاته، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة ترتيب البيت الكردي، ليس فقط بسبب الخلافات التقليدية بين القوى الكردية، بل أيضاً نتيجة التحديات التي قد تفرضها المتغيرات الإقليمية على الواقع الجغرافي والديمغرافي في المنطقة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقسام في الموقف الكردي غالباً ما يضعف القدرة التفاوضية للإقليم في بغداد، بينما يتيح توحيد الموقف السياسي فرصة أكبر لحماية المصالح الاستراتيجية. كما أن المعادلة نفسها تنطبق إلى حد بعيد على القوى السنية التي تجد نفسها اليوم أمام ضرورة صياغة رؤية سياسية أكثر تماسكاً تتجاوز الانقسامات التقليدية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة قد يتمثل في الإبقاء على التوازنات الحالية مؤقتاً، حتى وإن كانت هشة. فالحكومة التي تشكلت برئاسة محمد شياع السوداني، رغم ما رافقها من خلافات سياسية وارتفاع في سقف التوتر بين القوى المختلفة، قد تتحول عملياً إلى حكومة مرحلة انتقالية أكثر منها حكومة دورة سياسية كاملة. وقد يكون القبول بها في هذا الإطار نوعاً من التسوية المؤقتة التي تسمح للعراق بعبور مرحلة إقليمية مضطربة بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية.
فالدول في أوقات التحولات الكبرى تميل غالباً إلى تجنب الصدمات السياسية الداخلية، لأن الانقسامات الحادة قد تجعلها أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية. ومن هنا قد تتجه القوى السياسية العراقية إلى تبني صيغة توافقية مؤقتة تقوم على إدارة الأزمة بدلاً من حلها بشكل جذري، إلى حين اتضاح مآلات الصراع في المنطقة.
وعند تلك النقطة تحديداً قد تعود فكرة الانتخابات المبكرة إلى الواجهة بوصفها مخرجاً سياسياً لإعادة إنتاج الشرعية السياسية وتحديث الخريطة الحزبية وفق المتغيرات الجديدة. فالانتخابات المبكرة في هذا السياق لن تكون مجرد إجراء دستوري، بل قد تتحول إلى آلية لإعادة ضبط النظام السياسي بعد مرحلة إقليمية مضطربة، وربما أيضاً لإعادة توزيع موازين القوى داخل البرلمان.
وهكذا، فإن الحديث عن الانتخابات المبكرة في العراق لا يمكن فصله عن السياقين الداخلي والإقليمي معاً. فالانسداد السياسي من جهة، والتحولات الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى، قد يدفعان النظام السياسي العراقي في نهاية المطاف نحو إعادة ترتيب أوراقه عبر صناديق الاقتراع. وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن الحروب، مهما كانت مبرراتها السياسية، ليست سوى كلفة إنسانية هائلة يدفع ثمنها البشر قبل الخرائط، وأن الحكمة السياسية الحقيقية تكمن دائماً في القدرة على تجنيب الشعوب أثمان الصراعات قدر الإمكان.







