حرية | السبت 28 شباط 2026
1) ما الذي حدث إقليمياً ولماذا يهم العراق؟
صباح السبت 28 شباط 2026 دخلت المواجهة طوراً مباشراً بعد إعلان إسرائيل تنفيذ ضربة “استباقية” ضد إيران، مع تقارير واسعة عن تنسيق/مشاركة أميركية في العملية، وبدء ردٍّ إيراني بصواريخ/مسيّرات على امتداد الإقليم.
بالنسبة للعراق، هذه ليست “حرباً على الحدود” فقط؛ بل حدثٌ يعيد تفعيل ثلاث حقائق قاسية:
العراق جزء من جغرافيا الاشتباك (المجال الجوي، القواعد، خطوط الطاقة).
العراق جزء من شبكة التحالفات والخصومات (واشنطن/طهران/تل أبيب).
العراق جزء من أسواق الحرب (النفط، التأمين، سلاسل الإمداد، الدولار).
ومن أول مؤشرات “التأثير الفوري” أن حركة الطيران في المنطقة تضررت بشدة مع تراجع العبور فوق إيران والعراق ودول الخليج وإيقاف/تحويل رحلات عديدة بعد الضربات.
2) التأثير الأمني: خطر الانزلاق إلى صراع بالوكالة داخل العراق
أ) القواعد والوجود الأميركي: أهداف محتملة و”حسابات ردع” متبادلة
وجود قوات ومصالح أميركية في العراق (قواعد/مستشارون/بعثات) يجعل الساحة العراقية ضمن “بنك الأهداف” في أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة، خصوصاً مع تهديدات إيرانية سابقة ومرافقة لأي هجوم تتعرض له باستهداف قواعد أميركية في دول الجوار.
الخطر هنا ليس فقط وقوع ضربة؛ بل “سلسلة ردود” (ضربة–رد–ضربة) تتحول بسرعة إلى نمط يومي يُضعف السيطرة ويستنزف الدولة.
ب) الفصائل المسلحة: مساحة الحركة قد تتسع… أو تنفلت
مؤشرات إعلامية/تصريحات متداولة تشير إلى أن فصائل عراقية مرتبطة بإيران تلوّح بأن هذه المرة “أقل تقيّداً” إذا اتسع الصراع أو اتجه نحو تغيير النظام في طهران.
في هذا السياق، يتشكل خطران متوازيان:
رفع وتيرة الهجمات على مصالح أميركية (صواريخ/مسيّرات/عبوات/استهداف لوجستي).
رد أميركي مضاد داخل الأراضي العراقية (استهداف قادة/مخازن/منصات إطلاق)، بما يضع بغداد أمام “سيادة منزوعة” عملياً.
ج) داعش/الخلايا النائمة: الحرب تمنحهم “ضجيجاً” يخفون فيه الحركة
في بيئات الاضطراب، غالباً ما تستفيد الجماعات الإرهابية من انشغال القوى الأمنية، وتشتت الموارد، وارتفاع التوترات الطائفية/السياسية، لتعيد التموضع أو تنفيذ عمليات نوعية. هذا الخطر لا يحتاج “عودة كاملة” لداعش كي يصبح مكلفاً؛ يكفي نمط ضربات متقطعة على طرق/أبراج/مفارز.
د) أمن المدن والمنشآت: ضغط على منظومة الحماية الداخلية
مع أي تصعيد، سترتفع احتمالات:
تشديد الإجراءات داخل المدن (حواجز/تفتيش/حظر جزئي/حماية أرتال).
استهداف منشآت حساسة (طاقة، اتصالات، منافذ، بعثات).
توتر اجتماعي يتحول بسرعة إلى احتكاك أمني.
الخلاصة الأمنية: العراق مهدد بأن يصبح “ساحة رسائل”؛ لا حرب شاملة بالضرورة، بل حرب ظل مستمرة تُستهلك فيها هيبة الدولة تدريجياً.
3) التأثير السياسي: توازن هشّ تحت ضغط مزدوج
أ) معادلة واشنطن–طهران: لا مساحة رمادية واسعة
الحرب تضع بغداد أمام امتحان واقعي: كيف تحافظ على قنواتها مع واشنطن (دعم أمني/مالي/تقني/شرعية دولية) وفي الوقت نفسه تمنع القطيعة مع طهران (اقتصاد، طاقة، حدود، نفوذ سياسي)؟
الخطورة أن أي “ميل” صغير قد يُقرأ كاصطفاف، ويُقابل بإجراءات ضغط:
أميركياً: تضييق مالي/عقابي، تشديد على التحويلات، ضغط سياسي على الحكومة.
إيرانياً: ضغط عبر حلفاء محليين، أو عبر ملفات الطاقة والحدود.
ب) الانقسام الداخلي: خطاب الحرب يضاعف الاستقطاب
في لحظات الحرب الإقليمية، تنقسم النخب عادة إلى:
تيار يدعو لحماية العلاقة مع واشنطن وتحصين الدولة.
تيار يرى أولوية “محور المقاومة” أو الرد.
تيار وسطي يريد النأي بالنفس لكنه بلا أدوات تنفيذ كافية.
هذا الانقسام لا يبقى “موقفاً إعلامياً”؛ بل قد ينعكس على:
تعطيل تشريعات أو قرارات حكومية.
تصعيد ضد رئاسة الوزراء/البرلمان.
ضغط جماهيري تُحرّكه منصات وساحات.
ج) أزمة القرار السيادي: اختبار الدولة “من يملك قرار السلم والحرب؟”
السؤال الأخطر ليس: ماذا يقول العراق؟ بل: هل يستطيع العراق أن يفرض ما يقول؟
إذا استمر السلاح خارج إطار الدولة، ستتحول “بيانات الحياد” إلى نصوص بلا قوة ردع، وتصبح بغداد في وضع إدارة أزمات متكررة بدل قيادة استراتيجية وطنية.
4) التأثير الاقتصادي: مكاسب نفطية قصيرة… مقابل مخاطر هيكلية
أ) النفط: الإيراد قد يرتفع لكن المخاطر ترتفع معه
أي صراع واسع في المنطقة يرفع عادة “علاوة المخاطر” على أسعار الطاقة. هذا قد يزيد الإيرادات الحكومية على المدى القصير، لكنه يحمل وجهاً آخر:
تقلبات حادة تخل بالتخطيط المالي.
ضغط على سوق التأمين والشحن.
احتمال تعطيل إمدادات أو موانئ أو خطوط بحرية.
والتصعيد الحالي أثّر فعلياً على حركة الطيران الإقليمي، وهو مؤشر مبكر على ارتفاع تكلفة المخاطر اللوجستية عموماً.
ب) مضيق هرمز/الخليج: “عنق الزجاجة” الذي يختصر الاقتصاد العراقي
أي تهديد للملاحة في الخليج أو مضيق هرمز لا ينعكس فقط على السعر، بل على قدرة التصدير وكلفته وتوقيته. ومع تقارير عن ردود إيرانية استهدفت قواعد أميركية في دول خليجية، يصبح أمن المنطقة البحرية واللوجستية أكثر هشاشة.
السيناريو الأسوأ اقتصادياً للعراق ليس انخفاض السعر، بل انقطاع التصدير أو تقييده ولو أياماً، لأن ذلك يضرب السيولة، ويضغط على الرواتب والخدمات، ويشعل السوق الداخلية.
ج) التضخم والدولار والأسواق
في أجواء الحرب:
ترتفع كلفة الاستيراد (تأمين/شحن/تأخير).
ترتفع أسعار المواد الأساسية بسرعة أكبر من قدرة الرقابة.
تتسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسوق المضاربة إذا ارتفعت المخاوف.
والنتيجة المتوقعة اجتماعياً: ضغط معيشة سريع يترجم إلى غضب شعبي ومطالبات، وقد يتحول إلى احتجاجات إذا ترافق مع تراجع الخدمات.
د) الاستثمار ورؤوس الأموال
الرساميل لا تحب “عدم اليقين”. ومع توسع الصراع وتذبذب الأمن، قد نشهد:
تجميد مشاريع أجنبية.
رفع كلفة التمويل.
تراجع ثقة القطاع الخاص، وانكماش فرص العمل.
5) التأثير الاجتماعي: قلق شعبي… وفاتورة نفسية ومعيشية
المجتمع العراقي يحمل ذاكرة الحروب؛ لذلك أي عنوان “حرب إقليمية” يولد رد فعل سريع:
خوف من توسع الضربات إلى الداخل.
شائعات عن إخلاء/تعبئة/أزمات وقود وغذاء.
شراء هلعي يرفع الأسعار ويخلق ندرة مصطنعة.
ومع الضائقة المعيشية، قد تتوسع:
الرغبة بالهجرة بين الشباب.
النزوح الداخلي في حال ضربات قرب المدن/القواعد أو حدوث صدامات محلية.
6) العراق كساحة صراع غير مباشر: “حرب الظل” الأكثر ترجيحاً
إذا لم تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة، فالأقرب للعراق هو نمط:
عمليات محدودة متبادلة دون إعلان رسمي.
ضرب منصات/مخازن/أرتال أو مصالح اقتصادية.
استخدام الأراضي العراقية كرسائل سياسية.
وهذا النمط أخطر من الحرب القصيرة أحياناً، لأنه:
يستنزف الأمن على مدى طويل.
يرهق الاقتصاد بلا “نهاية واضحة”.
يضعف ثقة المواطن بالدولة تدريجياً.
7) السيناريوهات المحتملة للعراق (الأقرب إلى الأبعد)
احتواء التوتر: تبقى الاشتباكات خارج العراق، مع توتر داخلي مضبوط ورفع حماية القواعد والمنشآت.
تصعيد محدود داخل العراق: هجمات على قواعد/مصالح يتبعها رد، مع ضغط سياسي واقتصادي متزايد.
انزلاق إلى صراع واسع: تتحول الساحة العراقية إلى جزء من مسرح العمليات، مع انهيارات موضعية أو واسعة في الأمن والاقتصاد.
8) خيارات بغداد لتقليل المخاطر: ما الذي يمكن فعله فوراً وبشكل عملي؟
أ) “حياد نشط” لا حياد بيانات
فتح قنوات معلنة وهادئة مع الأطراف لتثبيت مبدأ: العراق ليس منصة هجوم على أحد.
مبادرة دبلوماسية إقليمية (عبر الجامعة العربية/الأمم المتحدة/وساطات) لتجنيب العراق الارتداد.
ب) ضبط السلاح وقرار الدولة
إجراءات ميدانية واضحة: منع أي إطلاق/تحرك دون أوامر رسمية، ومحاسبة منصات الهجوم.
توحيد غرفة القرار الأمني والإعلامي لمنع تعدد الرسائل.
ج) حماية المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد
خطط حماية للطاقة والمنافذ والاتصالات والمصارف.
مخزون طوارئ للمواد الأساسية، وخطة لتأمين النقل الداخلي.
د) صدمة اقتصادية مضادة
إجراءات سوق سريعة لمكافحة المضاربة، وضبط الأسعار، وتسهيل الاستيراد للغذاء والدواء.
خطط سيولة للطوارئ تحسباً لأي تعطل تصدير.
السؤال الذي يختصر الأزمة
العراق اليوم لا يواجه “خبر حرب” بل يواجه سؤال دولة:
كيف تبقى بغداد خارج الحرب… وهي في قلبها جغرافياً وسياسياً؟
الجواب ليس مثالياً ولا سهلاً، لكنه يبدأ من قاعدة واحدة:
كلما كانت الدولة موحَّدة القرار وممسكة بالسلاح والاقتصاد، تقلّ فرص تحويل العراق إلى ساحة رسائل. وكلما تراخت هذه المعادلة، صار العراق ليس “متأثراً بالحرب” فقط… بل جزءاً منها.








