وكالة حرية | الخميس 4 ايلول 2025
يجتمع زعماء أكثر من 25 دولة ورؤساء 10 منظمات دولية في مدينة تيانجين الساحلية في الصين للتباحث في قضايا الأمن والاقتصاد العالمي والشؤون الإقليمية. ويضم الاجتماع، الذي يستضيفه الزعيم الصيني شي جينبينغ، شخصيات منها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (في رحلته الأولى إلى الصين منذ سبع سنوات) وزعماء إيران وإندونيسيا وتركيا. وتمثل دولهم مجتمعة ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي – وهي نسبة في تزايد – ونحو نصف سكان العالم. استعدوا للصورة الجماعية: إن أردتم صورة تعبر عن جزء كبير من مستقبل العالم، فها هي ذي.
يعقد هذا الاجتماع الذي يستمر ثلاثة أيام في إطار القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون. تأسست المنظمة في تسعينيات القرن الماضي من أجل إدارة الخلافات الإقليمية التي ظهرت عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، وقد أعيد إحياؤها في 2001 باعتبارها نداً للتكتل الغربي المتمثل بحلف “الناتو” والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع أن نفوذها الفعلي لم يُضاهِ يوماً هذا الطموح. كما طغى تصاعد نفوذ مجموعة الـ”بريكس” عليها بعدما وسعت المجموعة نطاق تأثيرها بضم دول في جنوب أميركا إليها، لكن في ظل المشاركة القياسية في قمة شنغهاي هذا العام، ربما تتغير الدينامية بين المجموعتين.
ولا شك في أن الصين لم تختر عقد الاجتماع في تيانجين عبثاً. منذ قرن من الزمن، كانت هذه المدينة عبارة عن خليط من التنازلات الإقليمية الخارجية، وقد أضحت اليوم مدينة ساحلية مهمة تستعرض فيها الصين تطورها. ولا ريب أن الحضور الكريم سيلاحظ ذلك. والنقطة الثانية التي ستلفت انتباهه هي أن الاجتماع هذا يليه ملحق، إذ يشارك عدد كبير من الحضور عقب انتهاء الاجتماع في العرض الذي تقيمه بكين إحياءً لذكرى مرور 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية. وهي لا تبدو ذكرى تستدعي إقامة احتفالات ضخمة في الصين، لأسباب أهمها أنها تعود إلى عهد حكم فيه القوميون الصين.
لكن العرض العسكري الذي يشكل صلب الاحتفالات مؤشر إلى أن أحد أهداف الحدث هو توجيه رسالة إلى الغرب بأنه لا يحتكر وحده الفضل في انتصار دول الحلفاء في المحيط الهادئ، وبأن الصين أيضاً جزء من هذا المشهد، سواء في ذلك الوقت أو في الوقت الراهن. ومن الشخصيات التي ستحضر الاستعراض زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الذي يقوم بزيارته العلنية الأولى إلى الصين منذ عام 2019 وبمشاركته الأولى على الإطلاق في تجمع دولي كبير إلى جانب قادة الصين وروسيا.
بالنظر إلى حجم الحدث ومستوى الحضور، سواء في قمة شنغهاي للتعاون أو احتفالات ذكرى الحرب العالمية الثانية، قد يتساءل المرء عن سبب قلة اهتمام – أو قلق – الغرب بالموضوع نسبياً. أحد أسباب ذلك بالتأكيد هو ثقل الأحداث الأخرى التي من بينها الأزمات السياسية في بعض المناطق الأوروبية، والتوترات في المملكة المتحدة على خلفية موضوع فنادق طالبي اللجوء وأعمال العنف في غزة وحولها ومحاولات دونالد ترمب المتعثرة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وقد أثارت الخسارة التي مني بها في المحكمة في شأن قضية التعرفة الجمركية فوضى جديدة، لا ريب أنها ستكون محطة بارزة في محادثات تيانجين.
لكن تجاهل الغرب لأحداث الصين هذا الأسبوع خطأ جسيم. حتى لو كانت رمزية الحدث تطغى على جوهره، فيجب إيلاء اهتمام كبير للرسائل المتعددة التي يرسلها. وبعض هذه الرسائل هي كالتالي. في الشأن الروسي: ربما أنهت قمة ألاسكا التي عقدها ترمب عزلة بوتين في الغرب، إلا أن حجم تلك العزلة كان مبالغاً به. فقد ظل بوتين مرحباً به في معظم مناطق العالم وسوف يحتل المكان المخصص له باعتباره زعيماً دولياً كبيراً في تيانجين، فيما يخص روسيا والصين: سيظهر شي وبوتين في العرض العسكري في بكين، إنما إلى جانب آخرين. فهذا التحالف ليس حصرياً، بل هو شراكة تحكمها المصالح الاقتصادية، وتنضوي في إطار إقليمي أوسع.
وفيما يخص الصين والهند: سبقت اجتماع قمة شنغهاي للتعاون محادثات مكثفة بين رئيس الهند مودي وشي، مما يناقض، أقله في الوقت الحالي، الفكرة الشائعة بأن العالم لا يتسع لهما معاً. وفيما يخص روسيا والهند: يبدو أن ترمب قد راهن على تهديده بفرض رسوم جمركية خيالية لمنع الهند من شراء موارد الطاقة من روسيا، لكن الهند لم تكتف بتحدي هذا التهديد والوعيد بل إن الرسوم الجمركية نفسها قد لا تصمد طويلاً. أما فيما يخص آسيا الوسطى: فاستمرار منظمة شنغهاي للتعاون وإعادة تنشيطها المحتملة يتحدى الاعتقاد الغربي طويل الأمد بضرورة وجود منافسة مميتة على النفوذ في المنطقة بين روسيا والصين.
لا يعني كل ما سبق أن روسيا مثلاً لا تفضل إعادة توجيه تجارتها ونشاطها الدبلوماسي نحو الولايات المتحدة وأوروبا، نحو الموقع الذي تشعر بأنها تنتمي إليه. وهو لا ينفي أيضاً وجود توترات داخلية في مجموعة تعريفها فضفاض وتمتد على رقعة جغرافية واسعة مثل منظمة شنغهاي للتعاون، أو وجود عوامل تمس المصالح القومية قد تفككها عن بعضها بعضاً، لكن ما يعنيه هو أن زعماء يمثلون نصف البشرية تقريباً يتباحثون في مستقبلهم دون الالتفات بصورة خاصة إلى الغرب، بل والأهم من ذلك، من دون اعتماد عليه. ربما ليس من الضروري أن يتوارى العالم القديم عن الأنظار قبل أن تظهر تباشير نظام جديد.







