وكالة حرية | الاثنين 11 آب 2025
أيمن الغبيوي
حين تحط طائرتك في مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، ثاني أقدس المدن لدى المسلمين، تستقبلك لافتة عملاقة “أهلاً بك في أفضل مطار إقليمي في الشرق الأوسط لعام 2025″، وبين “جبال الرُّماة” وعلى ضفاف الطرقات تبرز لوحة أخرى “أهلاً بك في ثاني أكبر مدينة مليونية صحية في الشرق الأوسط”.
معطيات كثيرة تشير إلى اهتمام الحكومة اللافت بالمدينة التي تضم قبر النبي محمد وصاحبيه ومسجده ومسجد قباء، أول مسجد بُني في الإسلام، ومسجد القبلتين، المكان الذي استدار فيه الرسول نحو قبلة المسلمين بمكة المكرمة بعد آية قرآنية نزلت من السماء “فلنولينك قبلةً ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام”.
لعظم المكان وإرثه وتراثه وضعت الرؤية السعودية ضمن أجندتها العشرات من المشاريع التنموية لإبراز كل شبر في مدينة “ثاني الحرمين” و”أول عاصمة في الإسلام”.
وقبل أسابيع حصد مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي جائزتين ضمن برنامج التقييم الشامل لجودة خدمات المطارات لعام 2024، تشمل جائزة أفضل مطار دولي لفئة 5 – 15 مليون مسافر، وجائزة أفضل خدمات مقدمة لذوي الإعاقة، كما وصفتها منظمة الصحة العالمية للمرة الثانية، بصفتها ثاني أكبر مدينة مليونية صحية في الشرق الأوسط بعد استيفائها لـ80 معياراً من معايير المنظمة.

بدت المدينة بوجه مختلف عما كانت عليه قبل سنوات فارطة
سنوات طويلة مضت كانت المدينة لا تكاد تعرف سوى بمسجدها الأشهر وقبته الخضراء، لكن الأمر اختلف اليوم فالمدينة الواقعة غرب البلاد باتت تروي بطريقة عصرية آثارها وتبرز تاريخها القديم فصلاً فصلاً، إذ بات يحيط بالمسجد النبوي الذي يتسع لأكثر من مليوني مُصلٍّ باحات ومتاحف ومحال تجارية خصصت لما يمكن للزائر أن يقتنيه للذكرى من هدايا تحمل هوية المدينة ومعالمها وتراثها من أكواب حرارية وسجاد ومسابح مزينة بصور لأشهر معالم “طيبة الطيبة”، كما يسميها أهلها.
نشأة الخلق ونهاية العالم
ثمة متحف لافت يمكن أن يشبع فضولك نحو “نشأة الكون ونهاية العالم”، وهو متحف “قصة الخلق” الذي يقع في حدائق وبستان الصافية، وهو على بُعد خطوات قليلة من المسجد العتيق. ويأخذ الزوار في رحلة لا تُنسى عبر الزمن، من نشأة الكون إلى قصص الأنبياء والرسل، وصولاً إلى أحداث نهاية العالم، بأسلوب بصري وروحي مؤثر.
ولبرهة وقف إسكندر ومحمد، وهما شقيقان تركيان، أمام المتحف وهما يقولان “لم نَرَ مثل هذا من قبل”، وأخذا يتحدثان عن تجربتهما بدهشة “استغرق العرض التفاعلي بداخل المتحف نحو 43 دقيقة، كان مدهشاً للغاية، عرفنا تفاصيل الكون وأحداث الحشر ويوم القيامة”.

الشقيقان التركيان إسكندر ومحمد وهما يقفان أمام متحف “نشأة الخلق” على مقربة من المسجد النبوي
وتبلغ قيمة التذكرة الواحدة لدخول المتحف التفاعلي نحو 20 ريالاً، أي ما يعادل (5 دولاراً)، وهو يقدم تجربة غامرة باستخدام عروض مرئية مبهرة، ومؤثرات صوتية غنية، وشاشات تفاعلية مشوقة. وتلك تجربة فريدة تجسد الروايات الخالدة لدى طيف واسع من المسلمين.
ومشروع متحف وبستان الصافية الذي افتتح في مارس (آذار) 2024 هو أحد مشاريع هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة، وتبلغ مساحته 4419 م2، ويتكون من الحديقة الثقافية، ومنطقة العرض المتحفي، ومنطقة الخدمات التجارية والترفيهية.
يقول عنه الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير منطقة المدينة المنورة المهندس فهد بن محمد البليهشي إنه “يمثل مصدراً جديداً من مصادر الحضارة والمعرفة وعلامة مميزة في تاريخ المدينة المنورة”.
18 مليون زائر في عام واحد
تضم المدينة التي زارها عام 2023 أكثر من 18 مليون زائر أكثر من 100 موقع تاريخي 45 منها أصبحت جاهزة ومفعلة أمام الزوار، وفق أمينها وقائد هيئتها التنفيذي البليهشي. وهي تأتي هذه ضمن خطة استراتيجية تنفذها لجنة تطوير المواقع التاريخية في البلاد.
وإلى جانب مواقعها التاريخية تحتضن المدينة التي تبعد نحو 400 كم شمال مكة المكرمة، و150 كم شرق البحر الأحمر نحو 400 معلم ديني وتاريخي وثقافي تحظى باهتمام الزوار من مختلف أنحاء العالم، أبرزها المسجد النبوي والمساجد الكبرى التاريخية، إلى جانب مجموعة من المتاحف والمعارض والوجهات السياحية الحديثة، فضلاً عن الأودية والآبار التاريخية والجبال والمواقع الأثرية، وتلك عوامل أسهمت في تعزيز القطاع السياحي في المنطقة.

أمير المنطقة سلمان بن سلطان يتسلّم من وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل شهادة تصنيف المدينة المنورة مدينة صحية للمرة الثانية
اللافت في المشاريع التي تقودها “شركة رؤى المدينة القابضة” التابعة لصندوق الاستثمارات العامة والمهتمة في قطاع التطوير والاستثمار العقاري والتخطيط الحضري هو تصاميم المباني والمرافق العصرية المستمدة من تراث المدينة بتفاصيله الكاملة والدقيقة. وهي تعمل على تطوير منظومة فندقية وتجارية ذات بنية تحتية عصرية بجوار الحرم النبوي الشريف، وذلك لتسهيل استضافة 30 مليون زائر بحلول عام 2030.
“أعظم صورة في إطار”
على غرار ما يعرف باللوحات الإطارية (Photo Frames) المنتشرة في أشهر المواقع التاريخية والأثرية حول العالم وضعت البلاد أمام المسجد الذي بناه النبي محمد لوحة إطارية كُتب عليها “أعظم صورة في إطار”، ووقف أمامها رتل من البشر الزائرين وهم ينشدون صورة تظهر من ورائهم المسجد الشهير ومنارات بناها سادس خلفاء الدولة الأموية الوليد بن عبدالملك سنة 707 ميلادية.

تعددت الإطارات التذكارية في المدينة أمام معالمها الشهيرة
وعلى طريقة الحافلات الحمراء ذات الطابقين المشهورة في لندن وبرلين ونيويورك باتت المدينة بحافلاتها وجهاً جديداً يشير إلى التغيير. وبات يمكن للسائح التنقل بسهولة واكتشاف آثار معالم ثاني أقدس مدينة في الإسلام.

حافلات المدينة ذات الطابقين تجوب بالسياح لاكتشاف معالم ثاني أقدس مدينة في الإسلام
ستأخذك الحافلة عبر مسارين و12 محطة في جولة تستغرق ساعة ونصف الساعة تشمل التوقف عند المسجد النبوي ومقبرة البقيع وموقع معركة أُحد، ومواقع أخرى يعود تاريخها لما قبل أكثر من 1447 عاماً.
ستخبرك جولتك السياحية عن كثير عن تاريخ المدينة بواسطة دليل سياحي صوتي بلغات عدة.
وحول النقل العام في المدينة يجري العمل على “مترو المدينة”، وهو المشروع الواعد الذي سيعد نقطة تحول في حياة زوارها.
وللمدينة تاريخ قديم مع القطارات، ففي عام 1808 ربطت المدينة سكة حديد بدمشق، لكنه المشروع الذي تعثر وتوقف بسبب الحرب العالمية الأولى سنة 1916، إذ تعرضت سِكَكُه للتخريب بسبب الثورة العربية الكبرى وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب. وحالياً يربط المدينة قطار الحرمين السريع بمكة، مروراً بجدة ورابغ، بطول 450 كم، وسرعة 300 كم/ ساعة، ويخدم آلاف الركاب يومياً.
متاحف
لن يشكي السائح في المدينة من فراغه، فمن بين ما ترويه الأودية والجبال يمكن للمتاحف اختصاره في مكان واحد، وهي التي تضم مجموعة من المتاحف الشهيرة، ومنها متحف المدينة المنورة الذي يعود تاريخه إلى 1983، وهو يعرض تراث المدينة ويضم أكثر من 2000 قطعة أثرية، إضافة إلى متحف دار المدينة، وهو يركز على السيرة النبوية والحضارة الإسلامية، وكذلك معرض أسماء الله الحسنى ومعرض محمد رسول الله اللذان يقعان غرب المسجد النبوي بمساحة 2000 م لكل منهما، ويقدمان محتوى بصرياً دائماً عن السيرة والنبي محمد والذين معه.
كل شبر في المدينة يحمل إرثاً وتاريخاً، وهذا ما جعل البلاد تسابق الزمن نحو إبرازه والحفاظ عليه، فمن علو الجبال التي وقف عليها نبي المسلمين وأصحابه يمكن للسائح الارتواء من التاريخ والآبار العذبة على الأرض.
آبار ونخيل النبي
ففي جنوب المسجد النبوي بنحو ثلاثة كيلومترات ثمة بئر شهيرة اسمها بئر “الفقير”، وهي معروفة أيضاً باسم بئر سلمان الفارسي يعود تاريخها إلى العصر الجاهلي، حيث كانت ضمن أراضي بني قريظة في العوالي. واشتق اسم “الفقير” من التفقير، أي حفر الأرض لغرس فسائل النخل، وهو ما يعكس القصة الفريدة التي ارتبطت بهذه البئر عبر التاريخ. ومن حول البئر ثمة أشجار يروي المسلمون في تراثهم أن تلك زرعها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، وهذا ما أكسبها زخماً وشُهرة. وحافظت البئر على وجودها عبر العصور، وتم ترميمها والاهتمام بها في العهد السعودي، حيث أعيد تأهيل الموقع وتطويره ليصبح وجهة تاريخية وثقافية بارزة تجذب الزائرين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

تحيط ببئر “الفقير” أشجار زرعها نبي المسلمين النبي محمد بنفسه، وهذا ما أكسبها زخماً وشُهرة
لم تعد المدينة في عهد الرؤية السعودية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مجرد مسجد، بل راحت تتحسس آثارها ومواطئ المحاربين القدامى حول “أُحد” و”جبل الرُّماة” و”سقيفة بني ساعدة” وأماكن أخرى لكل واحد منها قصة تثير فضول معتنقي ثاني أكبر ديانة في العالم وعددهم يفوق ملياري نسمة.
درب الهجرة
كان لافتاً ما كشفت عنه الحكومة أخيراً، وهو مشروع “درب الهجرة النبوية”، إذ تنوي عمل مسار ثقافي وتاريخي يشبه رحلات “الهايكنغ” يعتقد أن النبي محمداً وصاحبه أبا بكر الصديق سلكاه خلال الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة سنة 622م (1هـ)، هرباً من اضطهاد قريش وبحثاً عن بيئة آمنة للدعوة. ويمتد الدرب لمسافة تقدر بـ400 كيلومتر تقريباً عبر الصحراء والجبال الوعرة. ومر خلالها النبي وصاحبه بمواقع عديدة أبرزها غار ثور (حيث اختبآ ثلاثة أيام) ومناطق أخرى مثل العدوة والرويثة وذي الحليفة حتى وصل إلى قباء أول موطئ قدم له في المدينة. وقباء اليوم تضم مسجد قباء أول مسجد أسس في الإسلام.
ويتضمن المشروع ترميم 41 معلماً تاريخياً إلى جانب إنشاء 8 مخيمات مبيت في مواقع توقف فيها النبي محمد كما يضم المشروع مسارات للمشي والتأمل. ومعالم تفسيرية ومواقع تاريخية، ويهدف لتعزيز ارتباط الزوار بسيرة النبي وتجسيد لحظة محورية في تاريخ الإسلام بأسلوب حضاري وتفاعلي وكشفت تقارير رسمية عن أن عدد الذين تقدموا لخوض تجربة مسار الهجرة النبوية المقرر بدؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) أكثر من 300 ألف طلب من مختلف الدول.







