حرية | تقرير خاص | 6 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل الأمني والسياسي
في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الغارات ولا بحجم الضجيج الإعلامي، بل بقدرة أي طرف على الانتقال إلى المرحلة الثانية مرحلة تكسير “نَفَس” الخصم، واستهداف “مفاصل الإنتاج والاستدامة”، وإجباره على القتال وفق إيقاع مُنهك لا يملك السيطرة عليه.
المؤشرات التي تلت الضربات الأولى توحي بأن الصراع يخرج من نمط “شل القيادة والسيطرة” إلى نمط أكثر قسوة حرب تحت الأرض ضد البنية الصاروخية العميقة، وحرب في البحر ضد الاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد وبين هاتين الجبهتين، تقف دول الإقليم أمام سؤال واحد من يدفع فاتورة المرحلة القادمة؟
بالنسبة للعراق، الخطر ليس في “الانخراط المُعلن”، بل في أن يتحول إلى ممر وارتداد وساحة ضغط متبادل، حيث تتداخل السيادة الجوية، وأمن القواعد، والجبهة الحدودية، والاقتصاد النفطي، في لحظة واحدة.
1) ملخص تنفيذي (Key Judgments)
1. الاتجاه الغالب في التحليل الأمريكي–الإسرائيلي:
الانتقال من ضربات شلّ القيادة/السيطرة والقدرات الظاهرة إلى مرحلة ثانية تركز على تفكيك قدرة إيران على الإطلاق المستدام عبر استهداف المنشآت الصاروخية تحت الأرض وسلاسل الإمداد وإنتاج المنصات والذخائر، بالتوازي مع إدارة الجبهة البحرية/الطاقة لحرمان طهران من ورقة الضغط في هرمز.
2. اتجاه ثانٍ داخل تلك المراكز (خصوصاً التحليلات العسكرية):
“النصر” لا يُقاس بعدد الأهداف المضروبة، بل بقدرة الحملة على الاستدامة مقابل مخزون الاعتراضات لدى الولايات المتحدة/الحلفاء، وبمدى قدرة إيران على تحويل الصراع إلى استنزاف طويل عبر المسيرات، والحرب غير المتماثلة، والضغط على القواعد الإقليمية.
3. القراءة الإيرانية المنشورة:
ترى أن المرحلة القادمة ستكون حرب إرادات تقليل أثر فقدان القيادة عبر لامركزية القرار، وتوسيع كلفة الحرب على الخصوم عبر الجبهة البحرية/الطاقة، وتشتيت الدفاعات، وتثبيت سردية الشرعية الداخلية بأن الحرب مفروضة.
4. العراق مرشح لأن يكون “ساحة ضغط متبادل”:
ليس بالضرورة كطرف مُعلن، بل عبر: (أ) مخاطر ضربات قرب الحدود/الممرات، (ب) تهديد القواعد والمصالح المرتبطة بالوجود الأمريكي، (ج) توتر كردي–حدودي إذا استُخدمت الجماعات الكردية كرافعة ضغط، (د) صدمة اقتصادية/طاقوية إذا تعطلت الملاحة أو ارتفعت المخاطر التأمينية.
2) كيف تصف المراكز الأمريكية “المرحلة القادمة”؟
أ) هدفان متلازمان: منع إعادة التسلح + منع الانزلاق إلى استنزاف
الهدف الأمريكي المزدوج يتمثل في:
تقليص قدرة إيران على إعادة توليد القوة (صواريخ/مسيرات/بنية تصنيع).
منع تحول الحرب إلى مسار طويل يستنزف المخزون الدفاعي والدعم السياسي ويفتح جبهات متسلسلة.
ب) “اقتصاد الصواريخ”: المنصات أهم من المخزون
ترى قراءات عسكرية أن “العنق الزجاجي” ليس عدد الصواريخ بحد ذاته، بل المنصات والقاذفات والبنية التحتية للإطلاق. لذا تُطرح فكرة نقل الضربات إلى المنصات، مرافق الإنتاج، الأنفاق/المخازن، وشبكات النقل والإمداد.
ج) هرمز كسلاح سياسي–اقتصادي
التحليل الأمريكي يتعامل مع هرمز بوصفه رافعة إيرانية عالية التأثيراضطراب الشحن والتأمين ينعكس فوراً على الأسعار والاقتصاد العالمي لذلك تتوقع هذه القراءة تشديد الحماية البحرية ورفع كلفة أي تحرك إيراني، مع “ردع متدرج” لتجنب حرب بحرية شاملة.
د) الحرب النفسية/السياسية: الرهان على الشقوق الداخلية
جزء من الخطاب الأمريكي يربط الضغط العسكري بضغط سياسي داخلي: الاقتصاد، الاحتجاجات، الشرعية، وتماسك مؤسسات الدولة. وهو ما يجعل “المرحلة القادمة” سياسية بقدر ما هي عسكرية.
3) ماذا تقول المراكز الإسرائيلية عن “المرحلة القادمة”؟
أ) “المرحلة الثانية” = الحرب تحت الأرض
التركيز ينتقل إلى المنشآت العميقة بعد ضرب منظومات فوق الأرض، باعتبار أن ما تبقى من القدرة الإيرانية يتكئ على التحصين والتمويه والعمق.
ب) معيار الحسم: كسر القدرة على الإطلاق المستمر
المنطق الإسرائيلي يميل إلى أن الردع وحده لا يكفي؛ الهدف هو تعطيل قدرة الإيذاء المتكرر بحيث يصبح أي رد لاحق مكلفاً ومحدود التأثير.
ج) جبهة لبنان: توسيع “مساحة الأمان”
تظهر فكرة الاستثمار في الضغط لتقليص قدرات الوكلاء إذا اعتُبرت الجبهات المتعددة امتداداً عضوياً للصراع مع طهران.
د) نافذة زمنية داخلية قصيرة
تُظهر استطلاعات داخل إسرائيل حساسية الرأي العام لطول الحرب وكلفها، ما يدفع نحو تصميم عمليات تحقق “إنجازاً قابلاً للبيع” داخلياً قبل أن يتحول الاستنزاف إلى عبء سياسي.
4) الرؤية الإيرانية المنشورة: كيف تتصور طهران المرحلة القادمة؟
أ) من “الصدمة” إلى “الاستدامة”
القراءة الإيرانية تميل إلى أن الخصم يبحث عن ضربة قاصمة، بينما الرد الأمثل إيرانياً هو إطالة الصراع وتوزيع الردود مكانياً وزمنياً، مع الحفاظ على حد أدنى من القدرة الصاروخية/المسيرة كرأس مال ردعي.
ب) الحرب المركبة مقابل الدبلوماسية القسرية
تُقدَّم مقاربة واشنطن/تل أبيب كمزيج بين الضغط السياسي والضربات العسكرية، مع محاولة خلق غطاء دولي/قانوني يشرعن عمليات الضغط. مقابل ذلك، تسعى إيران إلى توسيع كلفة الحرب مع الحفاظ على خطاب سيادي وقانوني.
ج) البحر والاقتصاد: الرد غير المتكافئ
تُطرح الجبهة البحرية كوسيلة نقل الحرب إلى اقتصاد العالم، بما يدفع عواصم عديدة للضغط باتجاه التهدئة.
د) الرافعة الإثنية/الحدودية: تحذير من “تفكيك الداخل”
يُنظر إلى تحريك ملفات إثنية كدليل على أن الهدف يمس “الدولة” لا “البرنامج”، ما يرجح تشديد القبضة الأمنية داخلياً ورفع حساسية الحدود.
5) سيناريوهات المرحلة القادمة
السيناريو (1): حملة مركزة قصيرة + وقف نار مشروط
المؤشرات: ضربات نوعية للمنشآت العميقة، ومسار تفاوضي بوساطة دولية.
نقطة الضعف: إيران قد تعتبره استراحة لإعادة البناء ثم تعود لاستنزاف جديد.
السيناريو (2): استنزاف متعدد الجبهات (الأرجح)
المؤشرات: تقليل الصواريخ ورفع المسيرات، ضربات متفرقة على الإسناد، ضغط بحري/نفطي متكرر.
النتيجة: ارتفاع مخاطر سوء التقدير واتساع رقعة الاشتباك.
السيناريو (3): تفكك داخلي/انتقال سلطة في إيران
حاضر في قراءات غربية تربط الحرب بسؤال الشرعية و”اليوم التالي”، وما قد يخلقه من فراغ إقليمي.
6) دراسة إقليمية: العراق في قلب “الممر والارتداد”
أ) المخاطر الأمنية المباشرة
الأجواء كممر: أي عمليات عابرة أو قريبة من الحدود تضع السيادة الجوية في اختبار قاسٍ، وترفع احتمالات الحوادث والاستهداف المتبادل.
القواعد والمصالح المرتبطة بالوجود الأمريكي: مرشح تقليدي لأن يكون هدف رسائل ضغط إيرانية أو ردود غير متماثلة.
الجبهة الكردية–الحدودية: أي توظيف للجماعات الكردية يزيد حساسية الإقليم ويضاعف ضغط الحدود والداخل السياسي معاً.
ب) المخاطر الاقتصادية
الملاحة والتأمين: ارتفاع علاوة المخاطر حتى دون إغلاق رسمي لهرمز.
النفط ليس مكسباً صافياً: ارتفاع الأسعار قد يقابله تضخم، وكلف استيراد، وضغوط اجتماعية، ومشاكل تحويلات وتأمين.
ج) المخاطر السياسية
المرحلة القادمة تُرجّح تعميق الاستقطاب: سيادة/حياد مقابل انحياز/ممانعة، مع احتمال تصاعد خطاب التخوين وتسييس الملف الأمني.
د) توصيات إدارة مخاطر (لا مواقف)
رفع الجاهزية في ضبط المجال الجوي والإنذار المبكر.
قنوات اتصال تمنع تحويل العراق إلى منصة أو هدف.
حزمة اقتصادية طارئة لصدمات الاستيراد والطاقة.
إدارة ملف الإقليم والحدود لمنع استدراج مواجهة على الأرض العراقية.
7) مؤشرات إنذار مبكر (7–14 يوماً)
تغيّر نوع الأهداف إلى منشآت تحت الأرض/مصانع إنتاج/شبكات قيادة.
تراجع الصواريخ مقابل تصاعد المسيرات (إشارة استنزاف).
تطورات الملاحة والتأمين في الخليج (مؤشر اقتصادي فوري).
إشارات الداخل في إيران/إسرائيل/أمريكا (سقف الجمهور/تماسك النخب).
أي تصعيد قرب الحدود العراقية–الإيرانية أو نشاط إثني/مسلح.
خاتمة موجزة
المشهد التحليلي يشير إلى أن “المرحلة القادمة” هي حرب نوعية ومعايير لا حرب عددية تفكيك القدرة المستدامة على الإطلاق، كسر ورقة البحر والطاقة، وإدارة الاستنزاف وفي المقابل، تميل إيران إلى إطالة أمد الصراع وتوزيع الكلفة والإبقاء على حد أدنى من الردع وبين هذين المسارين، يقف العراق في منطقة تماس خطرة، ممر وساحة ارتداد وميزان داخلي قد يهتز مع أي توسع.








