حرية | 18 آذار 2026
بقلم:أحمد الحمداني
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط وهي معادلة “المقاومة” وحدود اشتباكها مع مفهوم الدولة وسيادتها فالمقاومة في جوهرها تمثل أحد أشرف أشكال الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية وهي في التاريخ الإنساني عنوان للفداء والتضحية ومرادف للتحرر من الاحتلال والهيمنة.
لكن هذا الشرف، رغم قدسيته، لا يمكن فصله عن مسؤولية أكبر وهي حماية الوطن ذاته من الانزلاق إلى الفوضى أو دفعه إلى أثمان لا يتحملها.
المقاومة ليست مجرد فعل عسكري بل هي قرار سياسي واستراتيجي عميق يفترض أن يُبنى على حسابات دقيقة تتعلق بمصلحة الدولة واستقرارها وأمن شعبها وفي هذا السياق، فإن أي مقاومة حقيقية لا يمكن أن تكون على حساب الوطن الذي تدّعي الدفاع عنه بل يجب أن تكون جزءاً من منظومة تحميه وتحصّنه.
في تجارب دولية متعددة نجد أن حركات المقاومة التي نجحت في تحقيق أهدافها كانت تلك التي فهمت هذه المعادلة جيداً ففي فيتنام على سبيل المثال لم تكن المقاومة مجرد عمليات عسكرية بل كانت جزءاً من مشروع وطني شامل استطاع أن يوحّد الدولة والشعب في مواجهة الاحتلال وفي جنوب أفريقيا، تحولت المقاومة من العمل المسلح إلى مسار سياسي منضبط قاد إلى إنهاء نظام الفصل العنصري دون تدمير الدولة.
أما في بعض النماذج الأخرى فقد أدى غياب هذا التوازن إلى نتائج كارثية حيث تحولت المقاومة إلى عامل استنزاف داخلي وسبب في إضعاف مؤسسات الدولة وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
غير أن هذه المعادلة لم تعد نظرية أو مقارنة تاريخية فقط، بل أصبحت واقعاً ملموساً في العراق اليوم فالمؤشرات على الأرض بدأت تكشف أن أي انزلاق غير محسوب في مسار “المقاومة” قد بدأ يترك أثراً مباشراً على المواطن العراقي، لا على الأطراف المتصارعة.
لقد بدأت تداعيات هذا المسار تظهر بشكل واضح من خلال تراجع النشاط السياحي واهتزاز بيئة الاستثمار وارتفاع منسوب القلق لدى الشركات الأجنبية و الفنادق والمطاعم ومنشآت سياحية أصبحت تتأثر بشكل مباشر بأي تصعيد أو خطاب تهديدي ما ينعكس فوراً على فرص العمل ومصادر الدخل لمئات العوائل العراقية.
وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله ما علاقة المواطن الأجنبي غير العسكري الذي جاء إلى العراق سائحاً أو مستثمراً أو عاملاً بأن يكون هدفاً للتهديد أو جزءاً من معادلة الصراع؟
إن استهداف أو حتى تهديد غير المقاتلين لا يضر فقط بصورة البلد بل يضع العراق في دائرة الخطر الدولي ويمنحه صفة بيئة غير آمنة وهو ما ينعكس سلباً على الاقتصاد والسيادة معاً فالدولة التي لا تستطيع حماية ضيوفها ستجد نفسها عاجزة عن جذب الاستثمار، ومهددة بعزلة اقتصادية وسياسية.
المقاومة إذا خرجت عن هذا الإطار تتحول من قوة دفاع إلى عبء داخلي وعندما تبدأ الأفعال أو الخطابات بتوسيع دائرة الأذى لتشمل المدنيين أو المصالح الاقتصادية فإن ذلك يعني أن البوصلة بدأت تنحرف عن هدفها الأساسي.
إن حماية السفارات والمنشآت الحيوية والبنى التحتية ليست مجرد التزامات قانونية بل هي جزء من حماية سيادة الدولة نفسها وأي إخلال بهذه المعادلة قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة وربما تعيد العراق إلى دائرة الأزمات التي يسعى للخروج منها منذ سنوات.
وفي هذا السياق فإن المقاومة الحقيقية الشريفة الطاهرة هي تلك التي تدرك أن الوطن ليس ساحة مفتوحة، بل كيان يجب الحفاظ عليه بكل تفاصيله أرضه و شعبه و اقتصاده وسمعته الدولية.
هي مقاومة تفكر قبل أن تتحرك وتزن نتائج أفعالها بدقة وتفهم أن حماية الوطن لا تكون فقط بمواجهة العدو بل أيضاً بمنع أي ضرر قد يصيب الداخل.
العراق اليوم لا يحتمل مغامرات غير محسوبة ولا صراعات تُدار خارج حسابات الدولة فالقوة الحقيقية ليست في توسيع رقعة المواجهة بل في القدرة على ضبطها ومنع انعكاسها على الداخل.
في النهاية، تبقى المعادلة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى..
المقاومة شرف… لكنها مسؤولية والوطن ليس تفصيلاً في المعركة بل هو جوهرها والبطولة الحقيقية ليست في إطلاق النار فقط بل في حماية الناس قبل أي شيء آخر.
وقال الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام
“قِوامُ الدِّينِ والدُّنيا بأربعٍ: عالمٌ مستعملٌ علمَه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلّم، وجوادٌ لا يبخلُ بمعروفه، وفقيرٌ لا يبيعُ آخرتَه بدنياه.”
وهي تعكس فكرة أن التوازن والمسؤولية أساس بقاء المجتمعات، وأن أي انحراف عن هذا التوازن بما فيه استخدام القوة دون حكمة قد يهدد استقرار الدولة والمجتمع.
واخيراً اذكر بقول الامام الحسين عليه السلام
“إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”
أن الهدف ليس القتال بحد ذاته، بل الإصلاح وحماية الأمة، أي أن أي فعل وإن كان مقاومة يفقد قيمته إذا خرج عن مصلحة الناس والوطن.







