وكالة حرية | الثلاثاء 1 تموز 2025
قال الكاتب والمحلل السياسي جورج فريدمان إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع نموذجاً واضحاً لممارسة الدبلوماسية، فهو يبدأ بتقديم المطالب إلى دول أخرى، ثم يدعو إلى التفاوض، وإذا لم تُجرَ المفاوضات أو لم تُسفر عن أي نوع من التفاهم، يُنفِّذ إجراءات عقابية، وعلى مدار هذه العملية، يُصدِر تهديدات ترمي إلى تصعيد الموقف، أو يُشجع الطرف الآخر بالثناء عليه.
النموذج في مواجهة إيران
وأضاف الكاتب في مقاله بموقع “جيوبولتيكال فيوتشرز” البحثي الأمريكي: تجلّى هذا النموذج بوضوح خلال المواجهة الأمريكية الأخيرة مع إيران، إذ طالبها ترامب بالتخلي عن برنامجها النووي، مهدداً بعواقب إذا لم تفعل، ثم انخرطَ في مفاوضات غير مباشرة مع إيران، مشيراً علناً إلى أنّ المفاوضات تبشر بخير.
وبعدها حدَّد موعداً لانتهاء المفاوضات، وعندما انقضى ذلك الموعد، اتخذ إجراءً عسكرياً دراماتيكياً.
ضغوط على حلف الناتو
وتابع الكاتب: “يسري هذا المسار نفسه على العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ استهلَّ ترامب حديثه قائلاً إن الحلف لا يفي بالتزاماته العسكرية، وإن هذا التقصير يُحمِّل الولايات المتحدة العبء الأكبر. وبيَّنَ أنّ هذا الوضع لا يمكن أن يُستدام، مشيراً إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف إذا لم تتحمل أوروبا نصيبها من التكاليف في المستقبل.
وعُقدت مفاوضات مطولة، تخللتها تحذيرات مُنتظمة من ترامب. وفي اجتماع الناتو الأسبوع الماضي، وافقت الدول الأوروبية على زيادة إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأثنى ترامب على شركائه في التفاوض، وأكّد التزام الولايات المتحدة المستمر تجاه الحلف.

تفاوض مشروط.. ونتائج متفاوتة
وفي الحالتين، كان هناك مطلب كبير، تبعته فترة من التفاوض، تخللتها إشارات إلى استعداد لتنفيذ إجراءات صارمة في حال فشل المحادثات، أو التوصل إلى تسوية في حال نجاحها.
وفي حالة إيران، أدى هذا المسار إلى توجيه ضربات جوية. أما في حالة الناتو، فقد أفضى إلى تفاهم وديّ.
وتجلّى نمط مثيل في سياق جهود ترامب الرامية لإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، إذ بدأت العملية بصدمة فرض رسوم جمركية أعلى بكثير على المستوى العالمي، ثم أبدى ترامب انفتاحاً على الانخراط في مفاوضات ثنائية مع كل دولةٍ على حدة.
أوكرانيا وروسيا
وهناك أيضاً أزمة روسيا وأوكرانيا، إذ بدأت عملية التفاوض بصدمةٍ جديدة – هذه المرة لأوكرانيا – حين أعلنت واشنطن استعدادها لتقليص دعمها لكييف، إن لم يكن إلغاءه بالكامل، ثم سعى ترامب إلى فتح باب المفاوضات مع روسيا راغباً رغبة صادقة في التوصل إلى تسوية على حساب أوكرانيا.
وكانت الغاية من هذه الصدمة تبديد مخاوف روسيا بشأن أدائها في أوكرانيا، وبيان أنّ الولايات المتحدة لا تسعى إلى استغلال تلك المخاوف. بل إن واشنطن أرادت أن تُعلِم موسكو أنها مستعدة لتقديم فوائد اقتصادية لها.
قراءة بوتين للموقف الأمريكي
وطالب ترامب بإجراء محادثات لإنهاء الحرب، وأيقنَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين 3 أمور من هذه الخطوة الأولية، أولها أن الولايات المتحدة غير مهتمة بمستقبل أوكرانيا، وثانيها أنّ فشل بوتين العسكري في أوكرانيا غير مقبول، وآخرها أنّ عدم اكتراث ترامب بمستقبل أوكرانيا (وخصومته للناتو)، مانحاً بوتين وقتاً لتحسين موقفه في أوكرانيا.
وبالأحرى لم يكن بوتين ليسمح بأن تضع الحرب أوزارها دون أن يحقق سوى الإنجازات الضئيلة التي حققها. ولقد لمس في موقف الولايات المتحدة من الناتو ورغبة ترامب في التوصل إلى تسوية فرصة سانحة.
ومضى الكاتب يقول: “جدير بالذكر أن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا تتماس مع التغيرات التي تحدث في الناتو. فالخوف بُعد من أبعاد مصالحة ترامب مع الحلف؛ وأعني خوف موسكو من أن يتحرك الناتو ضدها، وخوف دول الناتو من العدوان الروسي”.
ومن هذا المنطلق، يمكن لمصالحة ترامب مع الناتو أن تُغيِّر متغيرات الحرب بسهولة في أوكرانيا، وتسوق روسيا إلى موقفٍ قد تواجه فيه تدخلاً موحداً من الناتو، أو دعماً ضخماً ومنسقاً لخصومها. لقد حلَّت الحاجة إلى النظر فيما قد يفعله الناتو – الذي باتت الولايات المتحدة جزءاً فاعلاً فيه – محل رفض بوتين للتفاوض على إنهاء الحرب (الذي كان يُعزى نوعاً ما لتشتت الناتو). وبالتزامن مع التآلف الأخير بين صفوف الحلف، قد يجد بوتين نفسه مضطراً إلى الدخول في المفاوضات التي أرادها ترامب.

قلب قواعد اللعبة الدبلوماسية
وهذه الحالات قليلة، يقول الكاتب، لكنها ذات حيثية كبيرة. فالجهود الدبلوماسية التقليدية الغاية منها بناء علاقات مستقرة ومتوقعة بين الدول، وتفادي المفاجآت والتهديدات باعتبارها مُزعزعة للاستقرار.
أما نموذج ترامب فيقلب هذه الأعراف رأساً على عقب، إذ يُقحِم عنصر الصدمة وعدم اليقين كأساسٍ للجهود الدبلوماسية، ويشمل تهديدات صريحة وضمنية – سواء كانت عسكرية أو اقتصادية – كأداة رئيسة في العمل الدبلوماسي.
وتظل حالة روسيا وأوكرانيا غير محسومة بعد، والبعد الاقتصادي لا يزال في مراحله الأولى. لكن يمكن الزعم بأنّ نموذجاً لطريقة ترامب في ممارسة الدبلوماسية قد بدأ يتبلور.







