حرية | الاثنين 2 آذار 2026
رغد بنت زيد
اليمن البلد الاستراتيجي الذي يطل على البحر الأحمر وخليج عدن أصبح اليوم صامتًا على المسرح الإقليمي، بينما تتسارع الصراعات بين إيران ودول الخليج وإسرائيل وأمريكا. هذا الصمت ليس خيارًا سياسيًا بل واقعًا مفروضًا يحدده الصراع الداخلي والانقسام السياسي، التدخلات الخارجية، والأزمة الإنسانية الأكبر في العالم، بالإضافة إلى الدور المتناقض للحوثيين في المشهد الداخلي والإقليمي.
منذ عام 2014، يشهد اليمن حربًا أهلية مستمرة بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين، إلى جانب فصائل جنوبية وشمالية متعددة. هذا الانقسام لم يقتصر على النزاع العسكري فقط، بل دمّر مؤسسات الدولة بالكامل، وجعل الحكومة منشغلة بالبقاء داخليًا بدل الانخراط في أي صراع إقليمي أو الدفاع عن مصالحها الوطنية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح اليمن دولة ضعيفة، غير قادرة على اتخاذ أي موقف سياسي مستقل تجاه الأحداث الإقليمية.
الحوثيون يمثلون اليوم أقوى قوة عسكرية وسياسية داخل اليمن، وقد تمكنوا من السيطرة على أجزاء واسعة من الشمال بما فيها العاصمة صنعاء رغم قوتهم العسكرية، يبقى موقفهم في المشهد الإقليمي معقدًا ومتناقضًا، حيث يتهم خصومهم الحوثيين بأنهم أداة نفوذ إيرانية في المنطقة، ما يجعلهم جزءًا من الصراع بين إيران ودول الخليج. في الوقت ذاته، يسعى الحوثيون لتعزيز سلطتهم الداخلية وتثبيت مناطق سيطرتهم، بدل الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية الكبرى، ما يساهم في شعور اليمن بالخمول السياسي تجاه الأحداث الكبرى.
في ظل التصعيد الإقليمي المستمر، يظهر اليمن غير قادر على التأثير المباشر في التحركات الإسرائيلية أو الأمريكية في المنطقة الصراع الداخلي يمنع الدولة من اتخاذ أي موقف دبلوماسي مستقل، ويجعلها محاصرة بين سياسات القوى الإقليمية والدولية، حتى في الملفات الحساسة مثل دعم أمريكا لدول الخليج أو التهديدات إسرائيلية محتملة على خطوط الإمداد في البحر الأحمر.
التوتر الإقليمي الممتد بين إيران ودول الخليج يجعل اليمن ساحة صراع بالوكالة حيث تراقب السعودية والإمارات نشاطات الحوثيين وتهديداتهم بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما يزيد من تعقيد القدرة اليمنية على اتخاذ أي موقف مستقل كل تحرك داخلي أو عسكري يصبح مرتبطًا بشكل مباشر بالمصالح الإقليمية الكبرى، مما يضع اليمن في موقع محدود جدًا على الساحة السياسية وبالإضافة إلى ذلك، يمتد التوتر الإقليمي إلى البحر الأحمر وخليج عمان، حيث ادى الصراع إلى إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، اليمن بموقعها الجغرافي الحيوي يصبح لاعبًا محوريًا من الناحية الاستراتيجية، لكنه عمليًا غير قادر على التأثير بسبب الصراع الداخلي، التدخلات الخارجية، والانقسام بين الحكومة والحوثيين.
تستمر الأزمة الإنسانية في اليمن لتشكل عائقًا إضافيًا أمام أي دور سياسي فعال يعيش اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، تشمل مجاعة تهدد الملايين ونقصًا حادًا في الغذاء والدواء، وبنية تحتية مدمرة. هذه الكارثة تجعل من النجاة اليومية للمواطنين أولوية قصوى، حتى بالنسبة للحوثيين الذين يركزون على تثبيت سلطتهم في المناطق الخاضعة لهم، مما يفرض صمتًا عمليًا على أي محاولات للانخراط في الصراعات الإقليمية الكبرى.
غياب اليمن عن المحافل الدولية والمنظمات الإقليمية، سواء في الأزمة السورية أو الصراع الإسرائيلي-الإيراني يعكس ضعف الصوت الدبلوماسي الوطني. هذا الصمت ليس اختيارًا بل استسلام قسري لظروف الحرب والانقسام الداخلي والتدخلات الإقليمية، بما في ذلك الدور المتناقض للحوثيين في الداخل والخارج.
في النهاية، غياب اليمن عن المعادلات الإقليمية الكبرى ليس خيارا، بل واقع مفروض. “الحرب الداخلية، التدخلات الخارجية، الدور الإيراني للحوثيين، ضعف الدولة، والأزمة الإنسانية” كلها عوامل تجعل اليمن على هامش المشهد الإقليمي. رغم موقعها الاستراتيجي وخطر غلق مضيق هرمز، يبقى اليمن لاعبًا صامتًا، محاصرًا بين الصراعات الكبرى، ومهددًا بأن يكون ساحة للصراعات بالوكالة بدل أن يكون صوتًا مستقلًا في السياسة الإقليمية.







