إسرائيل وإيران في مواجهة مباشرة… والعراق يقف على خط النار
حرية | الخميس 12 آذار 2026 – تقرير استراتيجي موسع – إعداد قسم التحليل السياسي
في ليالي الشرق الأوسط المضطربة، حين يختلط صمت المدن بصوت الطائرات في السماء، ويصبح خبر الحرب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، يدرك المراقبون أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من تاريخها مرحلة لم تعد فيها الضربات العسكرية مجرد رسائل ردع محدودة، بل خطوات متسارعة نحو مواجهة أكبر قد تعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط.
من الخليج إلى البحر المتوسط، ومن طهران إلى تل أبيب، ومن بغداد إلى بيروت، تتحرك القوى العسكرية والسياسية في واحدة من أكثر اللحظات توتراً منذ عقود. فالصراع الذي ظل لسنوات طويلة يدور في الظل بين إسرائيل وإيران، عبر عمليات استخبارية وضربات محدودة، بدأ يتحول اليوم إلى مواجهة أكثر وضوحاً وخطورة.
الصحافة الدولية تتحدث الآن عن تحول استراتيجي في طبيعة الحرب. لم يعد الحديث يدور حول حادث أمني أو ضربة جوية هنا وهناك، بل عن بداية معادلة صراع جديدة قد تستمر أشهراً وربما سنوات، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق، الدولة التي يعرف تاريخها جيداً كيف تتحول الحروب الإقليمية إلى صراعات على أرضها.
نهاية حرب الظلال
على مدى أكثر من عقد، كانت المواجهة بين إسرائيل وإيران تدور ضمن ما يعرف في الأدبيات العسكرية بـ”حرب الظل” إسرائيل كانت تنفذ ضربات محدودة ضد أهداف مرتبطة بإيران في سوريا أو ضد شبكات نقل السلاح، بينما كانت إيران تعتمد على شبكة من الحلفاء الإقليميين لخلق توازن ردع غير مباشر لكن هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجياً.
القيادة الإسرائيلية أصبحت ترى أن سياسة الاحتواء لم تعد كافية، وأن النفوذ الإيراني في المنطقة توسع ليشمل قدرات صاروخية وشبكات عسكرية في لبنان وسوريا والعراق واليمن في المقابل ترى إيران أن أي تراجع أمام الضربات الإسرائيلية سيضعف مكانتها الإقليمية ويهدد مشروعها الاستراتيجي في المنطقة.
نتيجة لذلك بدأت المواجهة تتخذ شكلاً أكثر مباشرة، وهو تحول يحمل في طياته مخاطر كبيرة على استقرار الشرق الأوسط.
لماذا انفجرت المواجهة الآن؟
عدد من مراكز الدراسات الدولية يرى أن توقيت التصعيد ليس صدفة هناك ثلاثة عوامل رئيسية دفعت الصراع إلى هذه المرحلة.
العامل الأول يتعلق بتغير الحسابات الاستراتيجية في إسرائيل فتل أبيب ترى أن استمرار تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة يمثل تهديداً طويل الأمد لا يمكن التعامل معه فقط عبر ضربات محدودة.
العامل الثاني يرتبط بإيران نفسها فطهران تعتبر أن نفوذها الإقليمي يمثل خط الدفاع الأول عن أمنها القومي، وأن أي محاولة لتقليص هذا النفوذ ستواجه برد قوي.
أما العامل الثالث فيتعلق بالولايات المتحدة فواشنطن، رغم عدم رغبتها في حرب إقليمية واسعة، تجد نفسها مضطرة للحفاظ على توازن الردع في المنطقة وحماية مصالحها وقواعدها العسكرية.
هذه العوامل مجتمعة دفعت المنطقة إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة كسر قواعد الاشتباك القديمة.
معادلة الردع الجديدة
المرحلة الحالية تقوم على معادلة ردع معقدة إسرائيل تحاول إثبات قدرتها على ضرب النفوذ الإيراني في أي مكان في المنطقة إيران تحاول إثبات قدرتها على الرد عبر عدة جبهات في الوقت نفسه الولايات المتحدة تسعى إلى منع تحول الصراع إلى حرب شاملة.
لكن المشكلة أن هذه المعادلة هشة للغاية فكل ضربة عسكرية قد تقود إلى رد أكبر، وكل رد قد يفتح جبهة جديدة.
وبسبب التشابك الجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط، فإن أي تصعيد قد يمتد بسرعة من جبهة إلى أخرى.
فالحرب اليوم لا تدور في مكان واحد، بل على عدة جبهات تمتد من إيران إلى لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر.
ميزان القوة… حرب بلا نهاية سريعة
من الناحية العسكرية، لا يبدو أن أياً من الطرفين يمتلك القدرة على حسم الحرب بسرعة إسرائيل تمتلك تفوقاً واضحاً في التكنولوجيا العسكرية والقوة الجوية والاستخبارات، إضافة إلى دعم استراتيجي من الولايات المتحدة.
لكن إيران تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على العمق الإقليمي أي شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في عدة دول، إضافة إلى قدرات صاروخية كبيرة هذا يعني أن الحرب، إذا توسعت، لن تكون مواجهة تقليدية بين جيشين، بل صراعاً متعدد الجبهات.
الجبهة الإيرانية
الجبهة اللبنانية
الجبهة العراقية
الجبهة البحرية في الخليج
في مثل هذه الحروب، لا يتحقق النصر عادة بضربة واحدة، بل عبر حرب استنزاف طويلة.
الحرب الاستخبارية المعركة الخفية
إلى جانب المواجهة العسكرية، تدور حرب استخبارية شديدة التعقيد.
إسرائيل تمتلك واحدة من أكثر أجهزة الاستخبارات تطوراً في العالم، وقد نفذت خلال السنوات الماضية عمليات معقدة داخل إيران وخارجها.
في المقابل طورت إيران شبكات استخبارية إقليمية واسعة تعتمد على علاقاتها مع حلفائها في عدة دول.
هذه الحرب الخفية قد تكون أكثر تأثيراً من الضربات العسكرية نفسها، لأنها تحدد قدرة كل طرف على معرفة نوايا خصمه وخططه المستقبلية.
الهدف الحقيقي للحرب
السؤال الذي يطرحه كثير من المحللين الآن هو ما الهدف الحقيقي من هذه الحرب؟
هل هي مجرد محاولة لردع إيران؟
أم أنها جزء من صراع أوسع لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط؟
بعض مراكز الدراسات يرى أن إسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة عبر تقليص النفوذ الإيراني في المقابل ترى إيران أن الحفاظ على شبكة تحالفاتها الإقليمية هو الضمانة الأساسية لأمنها القومي أما الولايات المتحدة فتسعى إلى منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة نفوذ كاملة لخصومها الدوليين هذه الأهداف المتناقضة تجعل من الصعب تصور نهاية سريعة للصراع.
العراق… الجبهة التي لا يتحدث عنها أحد
في خضم هذه المواجهة، يبرز العراق كواحد من أكثر الساحات حساسية فالعراق لا يقع فقط في موقع جغرافي استراتيجي بين إيران والخليج وسوريا، بل يمثل أيضاً ساحة تتقاطع فيها مصالح عدة قوى إقليمية ودولية ز و وجود القوات الأميركية في العراق من جهة، ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية من جهة أخرى، يجعل البلاد في موقع حساس للغاية ولهذا يرى بعض المحللين أن العراق قد يتحول إلى الجبهة الصامتة للحرب ليس عبر مواجهة مباشرة بين الجيوش، بل عبر:
هجمات محدودة
عمليات استخبارية
رسائل عسكرية متبادلة
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العراق
المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول
أن ينجح العراق في الحفاظ على سياسة الحياد ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة.
السيناريو الثاني
أن يتحول العراق إلى ساحة ضغط غير مباشر بين الأطراف المتصارعة.
السيناريو الثالث
أن يتوسع الصراع بحيث يصبح العراق إحدى جبهات الحرب.
الشرق الأوسط أمام لحظة تاريخية
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق إما أن تنجح القوى الدولية في احتواء التصعيد وإعادة الصراع إلى مستوى الحرب غير المباشرة أو أن تستمر دائرة المواجهة في الاتساع لتشمل مزيداً من الجبهات وفي كلتا الحالتين يبقى الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة من عدم الاستقرار قد تستمر سنوات أما العراق، الذي يقف في قلب هذه العاصفة، فسيكون عليه أن يواجه اختباراً صعباً:
كيف يحافظ على توازنه في منطقة تتحول بسرعة إلى ساحة صراع مفتوح؟








