وكالة حرية | الاربعاء 10 ايلول 2025
وليد فارس
ضمن هدفه الأكبر لتغيير الواقع العالمي تاريخياً يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إنهاء الحروب في الشرق الأوسط كما يحلم، وقد حاول جاهداً في فترته الرئاسية الأولى وفي الجزء الأول من سنته الأولى بفترته الرئاسية الثانية أن يكثف المفاوضات في المنطقة لينتج صفقة.
إلا أن عدد المواجهات لا سيما المرتبطة مع إسرائيل وغزة أكبر عدداً من جميع الحروب في سائر العالم التي يسعى الرئيس ترامب إلى إنهائها، وقد حصل هناك بعض التقدم وبعض الصعوبات. توقف الرئيس على الملفات، إذ جرى التوصل إلى وقف إطلاق نار لا سيما بين إسرائيل و”حزب الله” بعد مجابهة طويلة بين الاثنين، وحتى لو لم يعن ذلك أن الاشتباكات لن تعود، لكن المرحلة شهدت تغييراً في ميزان القوة مع “حزب الله”، إذ أدت إلى قناعة بأن هذا التنظيم لن يشن حرباً هجومية كبيرة على إسرائيل ولو بأوامر إيرانية في الأقل حتى نهاية عهد الرئيس ترامب.
أما حيال غزه وهي الأكثر تعقيداً، فإن معظم القرار في ما يتعلق بإنهاء الصراع في القطاع هو حول الرئيس ترامب وعلاقته الوطيده مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فهو يسعى أن يجد حلاً للأزمة لكن عبر زاويتين، الأولى هي وقف لإطلاق النار كلف مندوبيه التعاون مع كل الجهات المعنية الإسرائيلية والعربية للوصول إلى هذه النتيجة، ويعتقد الرئيس بأنه قد يكون في متناول اليدين.
أما الحل الأكبر أي مصير قطاع غزه و”حماس”، فهذا الأمر تركه جزئياً في البداية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لم يرد على الرئيس ترامب في ما يتعلق بصفقة مع “حماس”، لأنه يريد تفكيك الحركة كشرط أساس لإنهاء الموضوع، إلا أن المشكله كانت تكمن في علاقة “حماس” بالقيادة الإيرانية و”حزب الله”. فطهران هي الداعم الأساس لـ”حماس”، وبالتالي تنظر إلى وقف إطلاق النار كمفتاح إلى تعويم الحركة وحل الأزمة من بابها وليس من باب السلطة الفلسطينية. فالإيرانيون كانوا يطلبون من “حماس” أن يربطوا وقف إطلاق النار باتفاق شامل بين الولايات المتحدة وطهران أولاً، وبالتالي فإن فك الارتباط بين حل في غزه وحل للمواجهة الأميركية – الإيرانية يصبح هو مفتاح أساس ولا يزال.
الصدام الإسرائيلي – الإيراني إلى النهاية
في هذا الموضوع الرئيس ترمب يريد وفي الأقل تحقيق المرحلة الأولى، أي وقف إطلاق النار ليكون له موقع أقوى في التفاوض، أما في ما يتعلق بالدولة الفلسطينية فيبدو أن اللاعب الفلسطيني الحالي “حماس”، يربط الموضوع بنجاح المفاوضات الأميركية – الإيرانية. الرئيس يريد توقيعاً لوقف إطلاق النار يضيفه إلى جعبته وصورة تشير إلى اقتراب مرحلة السلام في غزة، إلا أنه بعد تسعة أشهر تقريباً هذه المرحلة الأولى بحد ذاتها لم تتحقق بعد.
وبتحليلنا أن هناك عائقين، الأول هو “حماس” بحد ذاتها لأنها تريد حلاً للدولتين وبقاءها كشرط لتحقيق وقف إطلاق النار من طرفها. ومن ناحية أخرى هناك الموقف الإسرائيلي الذي لا يقبل بوقف إطلاق النار إلا إذا عادت جميع الرهائن من ناحية، وأن تقوم الدول العربية بتجريد “حماس” من سلاحها، وهو أمر غير جاهزة له هذه الدول حتى الآن.
الحرب الأوسع هي بين إسرائيل وإيران، وكادت أن تجر المنطقة برمتها إلى تفجير كبير بعد ما سمي “بحرب الـ12 يوماً”. ترامب أيضاً يريد إيقاف تلك المواجهة بصورة عامة والتفاوض فوراً مع النظام الإيراني لكي تصل المنطقة إلى انتصار للسلام، وبالتالي فقد بدأت المحادثات بصورة متقطعة بين واشنطن وطهران منذ يوم توقيع الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي سهلت له قطر. إلا أن الانتفاخ الأكبر بين واشنطن وطهران – إن حصل – يحتاج إلى وقت أطول لأنه يتعلق بمرحلة طويلة من الزمن تخللها سلة كبيرة من الأزمات الاختلافات، إلا أنه كان له تصور بأنه قادر أن يصل إلى صفقة أفضل من الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقع عليه الرئيس أوباما واستمر به الرئيس بايدن.
الرئيس ترامب يريد اتفاقاً كبيراً مع القياده الإيرانية، إلا أن هذه الأخيره تريد اتفاقاً يجنبها خسارة أية مواجهة مستقبلية مع إسرائيل، وهذه الأخيرة لا تريد اتفاقاً مع طهران ولا مع حركه “حماس” لأنها تعتقد بأن الطرفين يوقعان على هدن لكن ليس على سلام شامل.
ومع هذا فالرئيس الأميركي مقتنع بأنه بطريقة ما وربما باتفاقات مالية واقتصادية يمكن حل المشكلة مع طهران وعبرها حل المشكلة مع أطراف أخرى، بما فيها “حماس” و”حزب الله” وحتى إلى حد ما مع الحوثيين في اليمن.
حيال سوريا فإن ترامب قد اتخذ قراراً باعتبار السلطة الجديدة التي تشكلت تحت سلطة هيئة تحرير الشام على دمشق شريكة لمشروع السلام وشريكة اقتصادية ومالية، لكن إدارة ترامب تهدف إلى
إقناع رئيس هذه السلطة بالتواصل مع الحكومة الإسرائيلية وعقد اتفاقات تدريجية تصاعدية، أي من تثبيت لوقف إطلاق النار إلى هدنة ومنها إلى بحث في عملية سلام شامل ثنائية بين الدولة العبريه والجمهورية العربية السورية.
هذه قناعة الرئيس الأميركي ومستشاريه السياسيين، وقد بدأت إدارته فعلاً في التهيئة لذلك عبره، فرفع العقوبات عن سوريا من ناحية وعن رئيسها الانتقالي، لكن من ناحيه أخرى فإن أصواتاً داخل الكونغرس وحتى بعضها داخل الإدارة تعتبر التسرع في الوصول إلى سلام بين نظام دمشق والحكومه الإسرائيلية قد يؤدي إلى بعض الأخطار. وبالتالي فإن هذه الأصوات تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون إلى مساعدة الأطراف المتنافرة في سوريا بما فيها الأقليات، أي الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين للتوصل إلى اتفاق داخلي مع السلطة. وإيجاد حلول لامركزية لأوضاع الطائفة العلوية والمسيحية في الشمال الغربي، وكذلك الدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال الشرقي وحمايتها قد تكون بنظر هؤلاء الطريق الأفضل للوصول إلى سوريا جديدة تعددية، وربما فيدرالية.
ونظام جديد كهذا هو الذي بامكانه أن ياتي إلى السلام مع إسرائيل، مع العلم أن هذا الأمر لا يزال صعباً للقبول به من قدماء هيئة تحرير وجبهة النصرة حتى لو قالوا إنهم تغيروا عقائدياً. إلا أن الرئيس الأميركي يرى نفسه عراباً لصوره مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس السوري ربما في نيويورك أو بعد ذلك بالتوقيع على اتفاق السلام بين الطرفين، الصورة قد تخرج أو لا لكن ترامب مصمم على الصورة وما بعدها.
في ما يتعلق بالمنطقة العربية ككل يراهن ترامب على محورين، للوصول إلى “إنهاء الحروب الشامل”. المحور الأول هو بالطبع احتمال أن توقع الجمهورية الخمينية على سلام مع إسرائيل يسبقه سلسلة من الاتفاقات مع واشنطن، والاعتقاد بأن “حزب الله” والحوثيين وربما إلى حد ما “حماس” والمليشيات العراقية ستتبع النهج مع الملالي وتتنجب صفقات مصغرة مع كل هذه المليشيات في المنطقة. وفي المحور الثاني صفقة مع النظام الجديد في الشام، والأخير مدعوم مباشرة وبصورة واضحة من تركيا وقطر.
مع تأييد واضح من بعض الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. هذا البرنامج الذي يرتكز على المحورين للتفاهم، مع هذه القوة وإقناعها بالتنازل لإسرائيل وإقناع هذه الأخيره بالتنازل، هو الهدف النهائي بالنسبة إلى الرئيس ترامب. أي اتفاقات ثنائية مع كل هذه الأطراف حول النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار، وبالطبع النفط والغاز.
وأخيراً عندما تحين الفرصة للدخول إلى معاهدة أبراهام، التي من خلالها أيضاً تم التوقيع بنقل التفاهمات الإقليمية لفتح الأسواق الكبرى للتجارة. هذا تصور الرئيس العام، إدارة مفتاح السلام. لكن الشرق الأوسط يحتوي على شيء أعمق من التبادل التجاري، وهو أحياناً يدمر الاستقرار الاقتصادي، وهو الأيديولوجيات. والعامل الآخر هو ترامب، فإذا تأخرت الأطراف كثيراً عليه كما جرى مع إيران، يضرب بيد من حديد كما حصل مع تدمير المفاعل النووي. سلام نعم، لكن ضمن مهل محدودة.







