واشنطن – وكالة حرية | الخميس 12 شباط 2026
لم يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لقائه المطوّل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بما كان يسعى إليه: وقف المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني والانتقال إلى مرحلة التحضير للمواجهة العسكرية.
على العكس، بدا أن واشنطن قررت منح الدبلوماسية فرصة إضافية، مع إبقاء خيار القوة قائماً كأداة ضغط، لا كقرار وشيك.
أولاً: رسائل البروتوكول… ودلالات السياسة
التفاصيل الشكلية للقاء لم تكن عابرة.
الدخول من باب خلفي، غياب التغطية الموسعة، وعدم عقد مؤتمر صحافي مشترك، كلها مؤشرات على أن ترامب لا يريد ربط استراتيجيته الإيرانية بالكامل بالأجندة الإسرائيلية.
الرسالة واضحة:
القرار في واشنطن، لا في تل أبيب.
هذه ليست قطيعة مع إسرائيل، بل إعادة ضبط للعلاقة في ملف حساس يتجاوز الحسابات الثنائية إلى حسابات النظام الدولي والطاقة والانتخابات الأميركية.
ثانياً: دبلوماسية محاطة بحاملات طائرات
إصرار ترامب على استمرار المفاوضات لا يعني تخلياً عن خيار القوة.
استعداد البنتاغون لإرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط يعكس مقاربة تقوم على:
- التفاوض من موقع تفوق عسكري
- تعزيز الردع لمنع إيران من اختبار حدود الصبر الأميركي
- استخدام الضغط العسكري كرافعة تفاوضية
بعبارة أخرى، واشنطن تمارس “دبلوماسية الردع”، لا “دبلوماسية التنازل”.
ثالثاً: لماذا لا يريد ترامب الحرب الآن؟
البيئة الاستراتيجية تغيّرت مقارنة بحزيران الماضي:
- لا يوجد حالياً تخصيب بنسبة 60% وفق المعطيات المتداولة.
- إيران تواجه أزمة اقتصادية خانقة واضطرابات داخلية.
- طهران باتت أكثر حاجة لرفع العقوبات من حاجتها إلى كسب الوقت.
في هذا السياق، يرى ترامب فرصة لإبرام اتفاق بشروط أفضل، بدلاً من الدخول في حرب مكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تؤدي إلى:
- ضرب منشآت نفطية في الخليج.
- اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
- توسيع رقعة الاشتباك إلى العراق وسوريا ولبنان.
- تقويض خطته في غزة وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي عبر ما يسميه “مجلس السلام”.
رابعاً: حسابات نتنياهو المختلفة
نتنياهو ينظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمنية بحتة:
منع أي تخصيب، وتفكيك البرنامج الصاروخي، واحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني.
لكن توسيع المفاوضات لتشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي – كما يحذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان – قد يدفع نحو انهيار المسار التفاوضي، وبالتالي نحو الحرب.
بالنسبة لنتنياهو، الحرب قد تكون أداة حسم.
بالنسبة لترامب، هي خيار أخير إذا فشلت كل البدائل.
خامساً: الإقليم يضغط نحو الاتفاق
تركيا، مصر، ودول الخليج تفضل اتفاقاً على حرب جديدة.
المنطقة خرجت من سنوات اضطراب مكلف، ولا تريد انفجاراً واسعاً يعيدها إلى نقطة الصفر.
هذه الدول تمارس ضغطاً هادئاً باتجاه تسوية، إدراكاً منها أن أي صدام أميركي–إيراني سيحوّل أراضيها إلى ساحات رد غير مباشر.
سادساً: من يملك قرار الحرب؟
التحول الأبرز أن قرار الحرب لم يعد بيد إسرائيل، بل بيد ترامب وحده.
حتى لو بادرت تل أبيب عسكرياً، فإن أي عملية واسعة ضد إيران تحتاج إلى غطاء أميركي لوجستي وسياسي.
ترامب يدرك أنه يمسك الآن بأوراق ضغط متعددة:
- العقوبات الاقتصادية.
- التفوق العسكري البحري والجوي.
- الورقة الإسرائيلية كعامل ردع غير مباشر.
لكن استخدام هذه الأوراق لا يعني بالضرورة إشعال الحرب، بل توظيفها لتحسين شروط الاتفاق.
خلاصة المشهد
اللقاء بين ترامب ونتنياهو لم يكن مجرد اجتماع ثنائي، بل محطة مفصلية في رسم مسار المواجهة أو التسوية مع إيران.
واشنطن تريد اختبار حدود المرونة الإيرانية أولاً.
تل أبيب تفضّل الحسم المبكر.
وفي منطقة تقف على حافة توازن دقيق، تبدو الدبلوماسية محاطة بالقوة، لكنها لم تتحول بعد إلى طبول حرب.
الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت واشنطن ستنجح في انتزاع اتفاق بشروط مشددة… أم أن الإصرار الإيراني أو الضغط الإسرائيلي سيدفعان المنطقة إلى مواجهة جديدة.







