وكالة حرية – 10 شباط 2026
تكشف العملية التي أعلن عنها جهاز المخابرات العراقي بتفكيك شبكة مخدرات دولية داخل الأراضي السورية، عن تحوّل واضح في العقيدة الأمنية العراقية من الدفاع الحدودي إلى الأمن الاستباقي العابر للحدود، في مواجهة واحدة من أخطر التهديدات غير التقليدية التي تضرب استقرار المنطقة: اقتصاد المخدرات المنظّم.
فالعملية التي أسفرت عن ضبط أكثر من 200 ألف حبة كبتاجون، واعتقال شبكة مكوّنة من خمسة عناصر كانت تخطط لإغراق السوق العراقية بالمخدرات، لا يمكن قراءتها كنجاح أمني منفصل، بل كحلقة ضمن معركة إقليمية مفتوحة ضد شبكات تتقاطع فيها الجريمة المنظمة مع التمويل غير المشروع والجماعات المسلحة.
المخدرات كسلاح ناعم لزعزعة الدول
لم يعد تهريب الكبتاجون مجرد نشاط إجرامي ربحي، بل بات يُصنّف ضمن التهديدات الهجينة التي تستهدف:
- تفكيك النسيج الاجتماعي
- إنهاك المنظومات الأمنية
- ضرب فئة الشباب كقوة بشرية مستقبلية
- تمويل شبكات عابرة للحدود قد تتقاطع مع الإرهاب
ومن هنا، فإن إحباط محاولات إدخال المخدرات إلى العراق يمثل حماية للأمن الوطني بقدر ما هو إجراء جنائي.
سوريا–العراق: من ثغرة تهريب إلى ساحة تنسيق
اللافت في هذه العملية، وما سبقها من عمليات مشتركة، هو مستوى التنسيق الاستخباري والميداني بين بغداد ودمشق، والذي شهد تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة. فعمليات ضبط ملايين الحبوب المخدرة وأطنان الحشيش، وتنفيذ مداهمات داخل الأراضي السورية بالتنسيق المباشر، تشير إلى تحييد تدريجي للحدود كمنفذ آمن للمهربين.
هذا التطور يعكس إدراكاً مشتركاً لدى الطرفين بأن:
- الحدود غير المنضبطة تتحول إلى ممرات تهديد
- المعالجة الوطنية المنفردة غير كافية
- تبادل المعلومات الاستخبارية الدقيقة هو مفتاح النجاح
الأمن الإقليمي لا يبدأ من الداخل فقط
اعتماد العراق على معلومات استخبارية دقيقة وتعقّب الشبكات في أكثر من دولة إقليمية، يؤكد أن المعركة ضد المخدرات باتت ملفاً أمنياً دولياً، لا يقل خطورة عن الإرهاب التقليدي.
كما أن مشاركة عناصر أجنبية في شبكات التهريب، بحسب الجانب السوري، يسلط الضوء على تدويل تجارة المخدرات، وتحولها إلى نشاط عابر للسيادة يستدعي تنسيقاً يتجاوز الإطار الثنائي.
خلاصة استراتيجية
تفكيك شبكة الكبتاجون داخل سوريا لصالح حماية الداخل العراقي يعبّر عن:
- انتقال العراق إلى سياسة الأمن الوقائي المتقدم
- تصاعد الثقة والتنسيق الأمني مع الجوار
- إدراك إقليمي بأن المخدرات تهديد استراتيجي لا اجتماعي فقط
وفي ظل هشاشة بعض البيئات الإقليمية، فإن نجاح هذه العمليات لا يقاس بعدد الحبوب المصادرة فحسب، بل بقدرة الدول على تجفيف المنابع، وضرب الشبكات، وكسر سلاسل الإمداد قبل وصولها إلى الشارع.
إنها معركة صامتة، لكنها لا تقل شراسة عن الحروب المفتوحة، ونتائجها سترسم ملامح الأمن المجتمعي في العراق والمنطقة لسنوات مقبلة.







