حرية – (29/5/2023)
اشترك في قناة حرية الاخبارية على التيليكًرام ليصلك كل جديد
تمكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الفوز بولاية رئاسية جديدة لمدة 5 سنوات بعد منافسة محتدمة مع مرشح المعارضة كمال كيليجدار أوغلو في واحدة من أعنف المعارك الانتخابية في تاريخ البلاد، ليصبح أول رئيس ينال 3 ولايات منذ تأسيس الجمهورية التركية الجديدة في عام 1923.
ويفتتح أردوغان الموجود في السلطة منذ 20 عاماً فترته الجديدة وسط ترقب لكيفية تعامله مع 3 ملفات رئيسة سيطرت على المشهد الانتخابي وشكلت عاملاً محورياً في توجهات الناخبين، وهي: علاقة تركيا مع الغرب وقضية اللاجئين والأزمة الاقتصادية.
واعتبر كثيرون أن الانتخابات لن تحدد فحسب من سيحكم تركيا، لكن أيضاً كيف تُحكم، واتجاهات اقتصادها بعد أن انخفضت عملتها إلى عُشر قيمتها مقابل الدولار خلال عقد، وكذلك شكل سياستها الخارجية، التي أثارت غضب الغرب بسبب تنمية أنقرة لعلاقاتها مع موسكو.
بين الغرب والشرق
وأحدث أردوغان تحولاً عميقاً في تركيا من خلال سياسة خارجية منفتحه على شرق آسيا ووسطها على حساب حلفاء أنقرة الغربيين التقليديين الذين حاول التقرب منهم في البداية عند وصوله إلى السلطة، بحسب وكالة “فرانس برس”.
وتراجعت علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بعد محاولة انقلاب في 2016 وما تلاها من تحويل نظامها إلى رئاسي، ورغم نفور الغرب من أردوغان، سمحت الحرب في أوكرانيا له بالعودة إلى تصدر المشهد بفضل وساطته بين كييف وموسكو، وتعطيله منذ نحو عام دخول السويد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وفي ظل وصول المفاوضات بشأن انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي لطريق مسدود تقريباً، توقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في تقرير له، ألا تتغير علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي خلال الفترة المقبلة.
ورجح المعهد الأميركي عدم التوصل إلى اتفاق يسمح بدخول الأتراك إلى الاتحاد الأوروبي من دون تأشيرة دخول، مشيراً إلى أن الغرب سيستمر في رؤية أردوغان كـ”شريك صعب ومهم” للمصالح الاستراتيجية.
تركيا وأميركا
وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952، وتملك ثاني أكبر جيش من حيث العدد بين دول الحلف بعد الولايات المتحدة التي تختلف معها حول عدد من النقاط منها دعم واشنطن للجماعات المسلحة الكردية في سوريا وحصول أنقرة على نظام دفاع صاروخي روسي من طراز “S-400”.
كما تلفت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن نظر أنقرة بانتظام إلى انتهاكات حقوق الإنسان والديمقراطية، بحسب المعهد الأميركي الذي اعتبر أن العلاقة بين واشنطن وأنقرة “قائمة على الصفقات” وغير مستقرة لبعض الوقت، الأمر الذي لن يتغير إذا أعيد انتخاب أردوغان.
ورأى المعهد أن قضية ضم السويد إلى الناتو قبل قمة الحلف في يوليو المقبل ستظل “أولوية رئيسية” لواشنطن، مشيراً إلى أن موافقة تركيا ستمكن إدارة بايدن من الضغط في سبيل بيع مقاتلات F-16 إلى تركيا، وقال إنه “بدون هذا الامتياز، من غير المرجح أن يوافق الكونجرس على أي مبيعات”.
واعتبر المعهد أن تركيا ما زالت قادرة على الاضطلاع بدور قيّم في تعزيز مصالح السياسة الأميركية، كما بيّنت صفقة الحبوب التي توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة بين روسيا وأوكرانيا.
أردوغان وبوتين
ونسج الرئيس الروسي فلاديمير بويتن وأردوغان اللذان يمسك كل منهما بمقاليد الحكم منذ أعوام طويلة، علاقة شخصية وثيقة اكتسبت أهمية أكبر منذ وجدت موسكو نفسها تحت عزلة العقوبات الغربية المتزايدة منذ بدء غزوها لأراضي أوكرانيا مطلع عام 2022، وفقاًَ لـ”فرانس برس”.
وعن طبيعة هذه العلاقة التي وصفها بـ”المميزة” مع بوتين، قال الرئيس التركي، في حديث لشبكة “CNN” الأميركية، “نحن دولة قوية وتربطنا علاقة إيجابية بروسيا، فالبلدان تحتاجان بعضهما البعض في كل مجال”.
ورداً على سؤال بشأن أسباب التفاهم بين الرئيسين، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف هذا الأسبوع إن بوتين وأردوغان “رجلَي دولة يحترم كل منهما كلمته”.
وفي هذا السياق، دعا المعهد الأميركي إلى مراقبة علاقة أردوغان ببوتين، لافتاً إلى أن هذه العلاقة دفعت كبار المسؤولين الأميركيين إلى زيارة تركيا بانتظام وتحذير الحكومة والشركات الخاصة من انتهاك العقوبات الروسية.
إعادة اللاجئين
وبرزت خلال الانتخابات الأخيرة قضية اللاجئين في تركيا بشكل واضح في انتخابات الرئاسة، إذ تستقبل تركيا 3.4 مليون لاجئ سوري على الأقل، ومئات الآلاف من الأفغان والإيرانيين والعراقيين.
وبالنسبة للسوريين، أدت الانتخابات والتحول المناهض للمهاجرين في السياسة التركية إلى إثارة حالة جديدة من الضبابية بشأن مستقبلهم، مما دفع الكثيرين إلى التساؤل عما إذا كان سيتعين عليهم معاودة الكرة وبدء حياة جديدة مرة أخرى بعد فرارهم من حرب دامية في وطنهم.
وتعهد أردوغان أخيراً بأن بلاده “لن تعيد” اللاجئين السوريين إلى بلادهم عبر “الطرد أو الإجبار”، مشيراً إلى أن الإعادة ستكون “ضمن المعايير الإنسانية إلى مساكن ستبنيها تركيا في الشمال السوري لذلك الغرض”.
وأعلن أردوغان في 8 مايو الجاري أن بلاده تعتزم بدعم من منظمات إغاثية دولية بناء 200 ألف وحدة سكنية في 13 موقعاً في سوريا، في خطوة تهدف إلى إعادة مليون لاجئ سوري يقيمون في تركيا.
وعلى غرار القادة الآخرين في المنطقة، يعمل أردوغان أيضاً على حل الخلافات مع الرئيس السوري بشار الأسد، مما يزيد من احتمال حدوث تقارب قد يقلق العديد من السوريين في تركيا.
الأزمة الاقتصادية
قبل أكثر من 20 عاماً، وتحديداً في 17 أغسطس عام 1999، أثار زلزال أودى بآلاف الأتراك خلال الليل، غضباً شعبياً صعّد مشاعر استياء حيال وضع اقتصادي صعب، ما ساهم في إيصال رجب طيب أردوغان إلى السلطة.
وفي عام 2023، وجد الرئيس التركي نفسه أمام ظروف أكثر شدة لكن أمام تحدٍّ مشابه، حيث تسبب زلزال 6 فبراير الماضي بوقوع أكثر من 50 ألف قتيل، فيما تعيش البلاد في الوقت نفسه أزمة اقتصادية منذ أشهر.
وكان الجانب الاقتصادي أحد نقاط القوة الرئيسية لأردوغان في العقد الأول من حكمه، إذ تمتعت تركيا بازدهار طويل الأمد مع إنشاء طرق ومستشفيات ومدارس جديدة وارتفاع مستويات المعيشة لسكانها البالغ عددهم 85 مليون نسمة.
لكن أردوغان يواجه انتقادات شديدة بسبب وضع الاقتصاد التركي حالياً وغضب الناجين من زلزال فبراير المدمر الذين تركوا لمواجهة مصيرهم في الأيام الأولى التي تلت الكارثة.
كما أدت السياسات غير التقليدية، التي دعا إليها الرئيس التركي بهدف تحقيق النمو، إلى هبوط قيمة الليرة 80% على مدى السنوات الخمس الماضية وتكريس مشكلة التضخم وانهيار ثقة الأتراك في عملتهم.
ولعبت السلطات خلال العامين الماضين دوراً متزايداً في أسواق الصرف الأجنبي لدرجة أن بعض خبراء الاقتصاد صاروا الآن يناقشون علناً هل كان تعويم الليرة دون تدخل، بحسب “رويترز”.
وقالت مصادر مطلعة بالحكومة لـ”رويترز” في الأيام الماضية إن خلافاً يدور بشأن هل يجب التمسك بالاستراتيجية الاقتصادية الحالية التي تعطي الأولوية لأسعار الفائدة المنخفضة أم التحول إلى سياسات تقليدية بدرجة أكبر بعد الانتخابات.
وتتجه الأنظار الآن إلى احتياطيات العملات الأجنبية والليرة مع تجاوزها مستوى 20 مقابل الدولار، وهي أحدث محطة رئيسية في رحلة هبوطها الطويلة.
وقال دارون عاصم أوغلو الأستاذ بمعهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا إنه من “الصعب التكهن بما إن كانت ستحدث أزمة أو توقيت حدوثها”، ومن المتوقع أن يعزز الموسم السياحي القوي الاحتياطيات مرة أخرى في الأمد القصير.
وفي الفترة التي سبقت الانتخابات، توقع محللون لدى “جيه.بي مورجان” أن تنخفض الليرة إلى مستوى 30 مقابل الدولار في غياب تحول واضح نحو سياسات تقليدية.
ويفترض المحللون أن أردوغان سيفي بوعوده في حملته الانتخابية بزيادة الدخل وإعادة بناء البلاد بعد زلزال فبراير، فيما يشعر مستثمرون بالقلق من أنه إذا تعافت السوق مرة أخرى، فقد تلجأ السلطات إلى مزيد من ضوابط رأس المال الصارمة، وهو أمر قالت الحكومة مراراً إنها لا تدرسه بينما تسعى لسد فجوة التمويل الخارجي البالغة 230 مليار دولار أو 25% من الناتج المحلي الإجمالي.







