وكالة حرية | الثلاثاء 24 شباط 2026
مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الخامس، تتواصل العمليات العسكرية على جبهات متعددة وسط مؤشرات متباينة بشأن مسار الصراع، حيث يواصل الطرفان التمسك بـ”خطوط حمراء” يصعب تجاوزها، في وقت تتعثر فيه الجهود الدبلوماسية عند عقدة التنازلات الاستراتيجية.
ففي حين تصر موسكو على تثبيت مكاسبها الميدانية وفرض شروطها الأمنية، ترفض كييف أي مساس بسيادتها، مطالبة بضمانات أمنية غربية، خصوصاً من الولايات المتحدة، وهو ما يعقّد فرص الوصول إلى تسوية قريبة.
خريطة السيطرة… مكاسب محدودة بكلفة مرتفعة
تشير التقديرات إلى أن روسيا تسيطر حالياً على نحو 19 إلى 20% من الأراضي الأوكرانية، تشمل شبه جزيرة القرم ومعظم إقليم دونباس، إضافة إلى أجزاء من زابوريجيا وخيرسون. ورغم هذه السيطرة، فإن التقدم العسكري الروسي شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال العامين الماضيين.
وبحسب تقديرات غربية، لم تتجاوز المكاسب الروسية سوى نسب محدودة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الحرب إلى استنزاف طويل، تُقاس فيه التقدمات بالأمتار لا بالكيلومترات، مع تراجع العمليات الهجومية الواسعة لصالح حرب تعتمد بشكل كبير على الطائرات المسيّرة.
ويصف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي حلف شمال الأطلسي التقدم الروسي بأنه بطيء للغاية، في إشارة إلى حالة الجمود التي تسيطر على خطوط القتال الممتدة لأكثر من 1200 كيلومتر.
حرب استنزاف… لا غالب ولا مغلوب
منذ مطلع عام 2025، دخلت الحرب مرحلة استنزاف واضحة، حيث لم يتمكن أي طرف من تحقيق اختراق حاسم. وتراجعت الهجمات المدرعة الكبيرة لتحل محلها معارك تعتمد على المدفعية الدقيقة والطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى.
في هذا السياق، تشير تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن روسيا تكبدت خسائر بشرية مرتفعة، قد تكون الأعلى لأي قوة كبرى منذ الحرب العالمية الثانية، فيما تكبدت أوكرانيا بدورها خسائر كبيرة، ما يعكس كلفة الحرب الباهظة على الطرفين.
ويؤكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن الوقت قد حان لإنهاء النزاع، محذراً من استمرار نزيف الأرواح وتداعيات الحرب على الأمن العالمي.
مفاوضات متعثرة… وشروط متناقضة
على الصعيد السياسي، لم تحقق جولات التفاوض التي جرت في عدة عواصم أي اختراق حقيقي، رغم الوساطة الأميركية المستمرة.
وتسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التوصل لاتفاق قبل احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، إلا أن الفجوة بين مطالب الطرفين ما تزال واسعة.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتمسك بشروط تشمل اعتراف كييف بضم الأراضي التي سيطرت عليها موسكو، ومنع انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وتقليص قدراتها العسكرية.
في المقابل، يرفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه الشروط، ويطالب بوقف إطلاق نار على خطوط التماس الحالية، إلى جانب ضمانات أمنية ملزمة تحول دون تكرار الهجوم مستقبلاً.
الضغوط الدولية… ودور أوروبي متصاعد
تواصل أوروبا لعب دور رئيسي في دعم أوكرانيا، حيث قدمت مساعدات مالية وعسكرية ضخمة تجاوزت مئات المليارات من اليوروهات، في وقت خفّضت فيه واشنطن مستوى دعمها المباشر مقارنة ببداية الحرب.
في المقابل، تعتمد روسيا على دعم عسكري من شركاء مثل إيران وكوريا الشمالية، إضافة إلى تعاون اقتصادي وتقني مع دول أخرى، ما ساهم في إطالة أمد النزاع.
كما يواصل الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة على موسكو، رغم اعتراض بعض الدول، ما يعكس استمرار الانقسام داخل التكتل الأوروبي بشأن كيفية إدارة الأزمة.
الاقتصاد والحرب… معركة موازية
إلى جانب المعارك العسكرية، تخوض روسيا وأوكرانيا حرباً اقتصادية موازية، حيث تواجه موسكو ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات، فيما تعاني كييف من أعباء مالية ضخمة تعتمد فيها بشكل أساسي على الدعم الخارجي.
وتطرح واشنطن مقترحات لإطار اقتصادي ضمن أي تسوية مستقبلية، تشمل إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة وتقديم ضمانات أمنية، إلا أن هذه الطروحات ما تزال تصطدم بالخلافات السياسية العميقة.
مستقبل الصراع… بين التسوية والتصعيد
مع استمرار الجمود العسكري وتعثر المسار السياسي، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار في المدى القريب، خصوصاً في ظل تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية.
وبينما تتزايد الضغوط الدولية لإنهاء النزاع، يبقى الحل مرهوناً بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات استراتيجية، وهو ما لم تظهر مؤشراته حتى الآن.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحرب الروسية الأوكرانية عالقة بين خيارين أحلاهما مر: تسوية مؤلمة سياسياً، أو استمرار استنزاف طويل يثقل كاهل الجميع، ويعيد تشكيل موازين القوى في النظام الدولي.







