حرية | تقرير تحليلي | 6 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل – مركز حرية الاستشاري الاعلامي
في الحروب الحديثة لم تعد المعركة تبدأ بالصواريخ والطائرات، بل غالباً ما تبدأ قبل ذلك بوقت طويل في ساحة أخرى لا تقل خطورة: ساحة الإعلام والحرب النفسية. فقبل أن تتحرك الجيوش، تبدأ الرسائل السياسية والتصريحات النارية والتسريبات الإعلامية في رسم ملامح الصراع وتهيئة الرأي العام لما قد يأتي لاحقاً.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، بات واضحاً أن جزءاً كبيراً من المعركة يُدار اليوم عبر التصريحات والرسائل الإعلامية والعمليات النفسية التي تستهدف الخصوم قبل أن تستهدفهم الأسلحة فالقوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أيضاً بقدرة الدولة على التأثير في العقول، وإرباك الخصم، وخلق حالة من الردع النفسي قبل أي مواجهة ميدانية.
الإعلام كسلاح استراتيجي
في العقيدة العسكرية الحديثة تُعرف الحرب النفسية بأنها استخدام المعلومات والإشارات السياسية والإعلامية للتأثير في إدراك الخصم وقدرته على اتخاذ القرار والهدف من ذلك ليس فقط إضعاف معنويات العدو، بل أيضاً دفعه إلى ارتكاب أخطاء استراتيجية أو إلى التراجع دون خوض مواجهة مباشرة.
ولهذا السبب أصبحت وسائل الإعلام جزءاً من منظومة العمليات العسكرية فالتصريحات التي تصدر عن القادة العسكريين والسياسيين، والتقارير التي تُنشر في الصحف الدولية، وحتى التسريبات غير المؤكدة، قد تكون في كثير من الأحيان أدوات محسوبة ضمن معركة أوسع لإدارة التصعيد.
التصريحات كسلاح ردع
خلال الأزمات العسكرية تتحول التصريحات السياسية إلى أدوات ردع بحد ذاتها فالتصريح الذي يصدر عن قائد عسكري قد يكون موجهاً إلى الخصم أكثر مما هو موجّه إلى الرأي العام.
هذه التصريحات قد تحمل تهديدات مباشرة أو رسائل مبطنة حول القدرات العسكرية، مثل التلميح إلى أسلحة جديدة أو إلى خطط عملياتية قيد التنفيذ وغالباً ما يتم صياغة هذه الرسائل بعناية بحيث تخلق حالة من الضغط النفسي على الطرف الآخر دون أن تؤدي بالضرورة إلى تصعيد فوري.
وفي كثير من الحالات تكون هذه الرسائل جزءاً من معركة ردع متبادلة، حيث يحاول كل طرف إقناع خصمه بأن تكلفة المواجهة ستكون أعلى من أي مكسب محتمل.
التسريبات… لغة الحروب غير المعلنة
التسريبات الإعلامية أصبحت إحدى أهم أدوات إدارة الأزمات العسكرية فكثير من المعلومات التي تنشر في وسائل الإعلام العالمية حول تحركات الأساطيل أو الخطط العسكرية لا تكون مجرد أخبار، بل رسائل سياسية مقصودة.
فعندما تنشر صحيفة كبرى تقريراً عن خطة هجوم محتملة أو عن نشر منظومات دفاعية متقدمة، فإن الرسالة غالباً لا تكون موجهة فقط إلى الجمهور، بل إلى الطرف الآخر في الصراع.
وهذه التسريبات قد تستخدم لاختبار ردود الفعل، أو لتهيئة الرأي العام الدولي، أو حتى لإرسال إنذار مبكر غير مباشر قبل اتخاذ خطوات عسكرية فعلية.
وسائل التواصل… جبهة الحرب الخامسة
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الحرب النفسية أكثر تعقيداً فالمعلومات يمكن أن تنتشر خلال دقائق، كما يمكن أيضاً تضخيم الأخبار أو تحريفها أو نشر معلومات مضللة بهدف التأثير في الرأي العام.
ولهذا السبب أصبحت الحكومات والجيوش تولي اهتماماً كبيراً لما يُنشر على هذه المنصات ففي بعض الأحيان يمكن لصورة أو مقطع فيديو أن يؤثر في مسار الأحداث السياسية والعسكرية.
وهذا ما دفع العديد من الخبراء إلى وصف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها “جبهة الحرب الخامسة”، إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء السيبراني.
العمليات النفسية في الاستراتيجية الأمريكية
الولايات المتحدة تُعد من الدول التي طورت مفهوم العمليات النفسية بشكل كبير منذ الحرب الباردة ففي العقيدة العسكرية الأمريكية يوجد مفهوم معروف باسم PSYOPS، وهو اختصار لعبارة “العمليات النفسية”.
وتعتمد هذه العمليات على استخدام الإعلام والتصريحات والتسريبات لخلق حالة من الردع النفسي لدى الخصم. ففي كثير من الأزمات يتم تسريب معلومات عن تحركات عسكرية أو نشر صور للأقمار الصناعية أو الإعلان عن نشر حاملات طائرات في مناطق التوتر.
هذه الرسائل لا تهدف فقط إلى الاستعداد للحرب، بل أيضاً إلى إقناع الخصم بأن ميزان القوة يميل بشكل حاسم لصالح الولايات المتحدة، وبالتالي دفعه إلى التراجع أو إعادة حساباته.
كما تستخدم واشنطن أحياناً التصريحات السياسية الحادة كجزء من استراتيجية الضغط النفسي، خصوصاً عندما تصدر عن شخصيات ذات تأثير كبير في القرار العسكري او الحكومي.
إسرائيل والحرب النفسية الاستباقية
إسرائيل تعد أيضاً من أكثر الدول اعتماداً على العمليات النفسية في إدارة صراعاتها ففي كثير من الأحيان تسبق العمليات العسكرية حملات إعلامية تهدف إلى إرباك الخصم وإظهار التفوق الاستخباري الإسرائيلي.
ومن أبرز أساليب هذه الحرب النفسية نشر معلومات عن اختراقات استخبارية أو عن قدرات تكنولوجية متقدمة في مجال الدفاع الجوي أو الهجمات السيبرانية.
كما تعتمد إسرائيل بشكل كبير على الرسائل الإعلامية التي تهدف إلى خلق صورة ذهنية عن قوة الردع، بحيث يشعر الخصم بأن أي مواجهة عسكرية قد تكون مكلفة للغاية.
وفي بعض الأحيان يتم تسريب معلومات عن عمليات عسكرية محتملة قبل وقوعها، ما يخلق حالة من الضغط النفسي على الطرف الآخر ويجبره على إعادة تقييم خياراته.
إيران واستراتيجية الردع النفسي
في المقابل، طورت إيران أيضاً أسلوبها الخاص في الحرب النفسية، والذي يعتمد بشكل كبير على استعراض القوة والرسائل الرمزية.
فالإعلان المتكرر عن تطوير صواريخ بعيدة المدى أو عن قدرات متقدمة للطائرات المسيّرة يُعد جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع النفسي في مواجهة خصومها.
كما تستخدم طهران الإعلام الإقليمي وشبكات الحلفاء لنقل رسائل سياسية وعسكرية تهدف إلى إظهار قدرتها على الرد في أكثر من جبهة.
وفي كثير من الأحيان تعتمد إيران على ما يمكن وصفه بسياسة “الغموض الاستراتيجي”، حيث يتم التلميح إلى قدرات عسكرية دون الكشف الكامل عنها، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى الخصوم.
معركة الرواية الإعلامية
في أي صراع عسكري لا تقل معركة الرواية الإعلامية أهمية عن المعركة الميدانية فكل طرف يسعى إلى تقديم الأحداث بطريقة تخدم مصالحه السياسية والعسكرية.
ولهذا السبب تحاول الدول السيطرة على تدفق المعلومات عبر البيانات الرسمية أو عبر وسائل الإعلام الحليفة أو حتى عبر حملات إعلامية منظمة.
وفي بعض الأحيان قد تصبح الرواية الإعلامية أكثر تأثيراً من الحدث العسكري نفسه، لأنها تحدد الطريقة التي يفهم بها العالم ما يجري على الأرض.
الخلاصة
الحروب في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تقليدية فهي أيضاً معارك نفسية وإعلامية معقدة تهدف إلى التأثير في العقول قبل استهداف المواقع العسكرية.
ولهذا السبب يمكن القول إن كثيراً من الحروب تبدأ في غرف الأخبار وشاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تبدأ في ساحات القتال.
ففي زمن الحروب الحديثة قد تكون الكلمة مقدمة للصاروخ، وقد تكون الصورة أداة لا تقل تأثيراً عن السلاح، وقد يكون التأثير في العقول أحياناً أهم من السيطرة على الأرض.








