وكالة حرية | الاحد 15 شباط 2026
رفيق خوري
دونالد ترمب ليس الرئيس الثري الوحيد في أميركا. ونظراؤه في العالم حتى في البلدان الفقيرة ليسوا، مع استثناءات محددة، أقل منه عبر ممارستهم للسلطة التي وصلوا إليها شبه مفلسين. ولا شيء يغطي الصراع المكشوف على المال والسلطة في كل مكان. وإذا كان الرئيس الصيني شي جينبينغ اكتفى من السلطة القوية بالسلطة، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين راكم المال والسلطة والغزوات الجغرافية. كذلك فعل رؤساء سابقون في مصر وتونس والجزائر وسوريا واليمن ولبنان، ورؤساء حكومات سابقون في العراق بعد الغزو الأميركي، بحيث يصعب تحديد حجم الثروات التي جمعوها في بلدانهم وأخذوها إلى المنفى أو السجن أو القبر. أما ملوك التكنولوجيا، فإنهم أسسوا من لا شيء، إمبراطوريات هائلة السلطة وثروات لا حدود لها بمئات المليارات والاقتراب من التريليونات بالدولار، لا بالعملة الإيرانية والسورية واللبنانية الهابطة. وأما نخبة الملالي وضباط “الحرس الثوري” في إيران، فإن بعضهم صار أغنى من الشاه.
“حكم المقاولين”
ذلك أن ترمب يدير نوعاً من “حكم المقاولين” ومطوري العقارات الأثرياء من شركائه. ستيف ويتكوف يتولى مهام دقيقة لم يكن يعرف عنها شيئاً في العلاقات مع بوتين والتوسط لتسويات في حرب إسرائيل الإبادية على غزة. توم براك يلعب دور المتخصص بلا خبرة كسفير لأميركا في أنقرة وموفد خاص إلى سوريا ولبنان. رجل الأعمال ميشال عيسى يصبح سفيراً لدى بيروت التي غادرها قبل أن يجمع ثروة. رجل الأعمال مسعد بولس والد صهر ترمب يلعب دور مستشار للشؤون الأفريقية والعربية التي يجتهد لمعرفتها.
حتى الوسطاء في ترتيب الخروج من حرب غزة، فإنهم أثرياء فلسطينيون، بشارة بحبح وبشار المصري وسمير حليلة. ورسم الانضمام إلى مجلس السلام برئاسة ترمب هو مليار دولار. ومن يتقدم الصفوف إلى المستشارية رئيس الوزراء البريطاني سابقاً توني بلير الذي تحول إلى رجل أعمال، وصهر ترمب المقاول الثري جارید كوشنير. وما أكثر الذين صاروا أثرياء في “حكم المقاومين” في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما بين قادة فصائل “الحشد الشعبي” المرتبطين بالحرس الثوري الإیراني.
ترمب وتركيز الثروة
يقول جون بولتون الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في الولاية الأولى لترمب في كتاب “الغرفة”، إن “تفكير ترمب مثل أرخبيل من النقاط”. لكن ترمب الذي غير في ولايته الأولى عدداً من المستشارين وأقال مستشار الأمن القومي في الولاية الثانية من دون تعيين بديل في هذا الموقع المهم والحساس يسير على خط واضح حين يتعلق الأمر بالمال والسلطة. حتى في حرب الرسوم الجمركية، فإن اللعبة ليست كما تبدو في البيانات الرسمية. إذ هي، في رأي البروفيسور بول كروغمان الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، “حرب طبقية ضد أكثر من 80 في المئة من الأميركيين بحيث تنتقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء، والرسوم تستهدف الأجانب ظاهرياً لكن تأثيرها كبير في توزيع الدخل بين الأميركيين. أما في حرب فنزويلا واختطاف مادورو وزوجته، فالهدف هو النفط قبل السلطة.
وما أبعد اليوم من البارحة. فالآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية رأوا خطورة تركيز الثروة في أيدي الذين يمسكون بالسلطة، واعتبروا أن “الثروة الضخمة تفسد الجمهورية”. وجاء في “رسائل کاتو” خلال القرن الـ18 “عندما تصبح ثروة أشخاص ضخمة، فإن على المجتمع أن يفرض عليهم تسليم جزء من الثروة”. وتعتقد مجلة “تايم” أن “الميلاد الـ250 للولايات المتحدة يجب أن يكون الوقت للتفكير ثانية في وضع حد للثروة المفرطة والنفوذ السياسي”. لكن الواقع أن 10 في المئة من الأميركيين يملكون 78 في المئة من الثروة داخل أميركا. وأبسط ما يدعو إليه ماتيو باسكينيلي في كتاب “عين السيد: تاريخ اجتماعي للذكاء الاصطناعي” هو “محو أمية جديدة” وإدراك أن الذكاء الاصطناعي “ساحة للصراع الطبقي والسياسي، لا كتقنية سحرية غامضة”. ومختصر رأيه أن “الخوارزميات تخدم النظام الرأسمالي”.
“تصوروا جنكيز خان مع هاتف”
ومع الصراع على المال والسلطة، سباق نحو تكريس سلطة القائد القوي. ولیس ما يفعله ترمب من تجاوز لسلطاته الدستورية وتخطي صلاحيات حكام الولايات، سوى تمارين على تكريس القائد القوي في أميركا، على طريقة بوتين وشي وأردوغان وخامنئي وسواهم في بلدان كثيرة. ومع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تستعاد دورة العنف التي سادت في القرون الماضية. ولم یکن تولستوي يتخيل، بل يرى إلى البعيد، عندما قال: “تصوروا جنكيز خان مع هاتف”. وترجمة ذلك هي إمكان قتل أكبر عدد من المدنيين بأسرع وقت. أما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، فإن الخراب والقتل لا حدود لهما. وهذا ما أكدته حرب الإبادة في غزة، بحيث جاءت أخطر بكثير وأكبر قدرة على التدمير من كل الحروب السابقة في غزة والضفة الغربية وكل الحروب العربية-الإسرائيلية.
توجيه الرأي العام
حتى في الإعلام، فإن رجال الأعمال الأثرياء يتسابقون على شراء ملكية صحف ورقية وإذاعات وتلفزيونات ومواقع في ما يسمى الإعلام الجديد. والهدف هو السلطة قبل المال ومعه. السلطة على الحاكمين والمعارضين والناس العاديين عبر توجيه الرأي العام بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. والمغامرة بالمال من أجل هذه السلطة وللدفاع عن المصالح الاقتصادية والتجارية لرجال الأعمال، ولو في وسائل إعلام تسجل موازناتها السنوية خسائر. وإذا كانت ملكية رجال الأعمال لوسائل الإعلام في أميركا مسألة مألوفة من زمان، فإن اللافت أن 10 من رجال الأعمال يملكون 90 في المئة من الصحف في فرنسا التي هي تقليدياً أرض المغامرات الفكرية والسياسية في إصدار الصحف المتحررة من سطوة المصالح والمال الذي يشتري المواقف.
و”حين تفقد الكلمات معانيها تفقد الناس حرياتها” كما قال كونفوشيوس.







