بغداد – حرية | الجمعة 13 شباط 2026 – تقرير – احمد الحمداني – خاص
في كل استحقاق سياسي عراقي، يتحول منصب رئيس الوزراء إلى بوصلة تتجه إليها الأنظار داخلياً وخارجياً، بوصفه الموقع التنفيذي الأعلى وصانع القرار في لحظة تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتجاذبات الإقليمية.
فالعراق اليوم لا يختار رئيس حكومة فحسب، بل يختار موقعه في معادلة الشرق الأوسط، بين نفوذ إيران، وحضور الولايات المتحدة، وانفتاح الخليج، وطموحات تركيا، وتعقيدات الداخل بكل انقساماته.
ومع تداول أسماء مرشحين محتملين لرئاسة الوزراء، تتجدد الأسئلة حول قدرة كل شخصية على إدارة التوازنات، وحول شكل الدولة العراقية في المرحلة المقبلة.
العراق في قلب الجغرافيا السياسية
يقع العراق في مركز جغرافي يجعله: ممراً استراتيجياً بين الخليج وبلاد الشام و شريكاً أساسياً في أمن الطاقة العالمي و ساحة تماس بين المشروعين الأمريكي والإيراني وحلقة وصل محتملة بين تركيا والعالم العربي.
هذا الموقع يمنحه فرصة لعب دور الدولة الجسر، لكنه في الوقت نفسه يجعله عرضة لضغوط متعارضة تتطلب قيادة تمتلك مهارة التوازن لا الاصطفاف.
إيران… النفوذ والتشابك
ترتبط بغداد بعلاقات عميقة مع إيران سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
التحدي أمام أي رئيس وزراء هو: الحفاظ على علاقة مستقرة ومنع تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة وإدارة ملف الفصائل المسلحة ضمن إطار الدولة و التوازن هنا لا يعني القطيعة، بل إدارة المصالح وفق مفهوم السيادة الوطنية.
الولايات المتحدة… الشريك المؤثر
رغم تقليص وجودها العسكري، تبقى الولايات المتحدة لاعباً مهماً عبر:
الدعم الأمني.
النفوذ في المؤسسات المالية.
التأثير في ملف الطاقة والعقوبات.
أي رئيس حكومة مقبل يحتاج إلى شراكة مدروسة مع واشنطن دون أن تتحول العلاقة إلى محور مقابل لمحور آخر.
الخليج… العودة العربية إلى بغداد
تشهد العلاقات مع دول الخليج العربي انفتاحاً متزايداً، خصوصاً في مجالات:
الاستثمار.
الربط الكهربائي.
مشاريع البنية التحتية.
إعادة دمج العراق في عمقه العربي تمثل فرصة اقتصادية وسياسية، لكنها تتطلب بيئة مستقرة وقيادة قادرة على بناء الثقة.
تركيا… الأمن والمياه والتجارة
العلاقة مع تركيا تتداخل فيها ملفات:
الأمن الحدودي.
ملف حزب العمال الكردستاني.
أزمة المياه.
التبادل التجاري.
القيادة المقبلة مطالبة بإدارة الخلافات دون تصعيد، خصوصاً في ملف المياه الذي يمس الأمن القومي مباشرة.
المشهد الداخلي… العقدة الأصعب
الانقسام السياسي
نظام التوافق والمحاصصة يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوضية معقدة.
السلاح خارج الدولة
ملف حصر السلاح بيد الدولة يتطلب مقاربة تدريجية وتوافقاً سياسياً واسعاً.
الوضع الاقتصادي
الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، ويعاني من:
بطالة مرتفعة.
تضخم الجهاز الحكومي.
ضعف القطاع الخاص.
فساد إداري ومالي مزمن.
الإصلاح الاقتصادي سيكون معيار النجاح الحقيقي لأي حكومة قادمة.
المرشحون المطروحون لرئاسة الوزراء:
نوري المالكي

رئيس وزراء سابق لدورتين، يمتلك خبرة تنفيذية واسعة وشبكة علاقات إقليمية قوية، خصوصاً مع إيران.
نقاط القوة: خبرة في إدارة الدولة، حضور سياسي ثقيل.
التحدي: إرث سياسي مثير للجدل، وصعوبة تحقيق إجماع وطني واسع حوله اليوم.
حميد الشطري

شخصية أمنية بارزة تولت رئاسة جهاز المخابرات والامن الوطني ومواقع امنية عديدة.
نقاط القوة: خبرة استخبارية، علاقات إقليمية متوازنة، هدوء بعيد عن الاستقطاب الإعلامي.
الفرصة: قد يمثل خياراً توافقياً لإدارة مرحلة حساسة تتطلب ضبط الإيقاع الأمني والسياسي.
خالد الأسدي

قيادي في حزب الدعوة، يمتلك خبرة تنظيمية وبرلمانية.
نقاط القوة: معرفة عميقة بتوازنات الإطار السياسي، شخصية غير صدامية، يتصف بالهدوء،يمتلك علاقات خارجية متوازنة.
الفرصة: يمكن أن يشكل جسراً بين القوى التقليدية ومتطلبات التهدئة، خصوصاً إذا حظي بدعم داخلي واسع.
عدنان الزرفي

محافظ النجف الأسبق ونائب سابق، كُلّف بتشكيل حكومة عام 2020 قبل أن يعتذر.
نقاط القوة: خلفية إدارية، علاقات مع الغرب.
التحدي: محدودية الدعم داخل بعض القوى الشيعية التقليدية.
أبو علي البصري

شخصية أمنية معروفة في الأوساط الاستخبارية.
نقاط القوة: خبرة في مكافحة الإرهاب.
التحدي: قلة الخبرة السياسية التنفيذية العلنية.
باسم البدري

اسم يُتداول في بعض الأوساط السياسية.
نقاط القوة: ارتباط إداري أو سياسي محدود.
التحدي: غياب الثقل الوطني الواسع.
من يستطيع إدارة التوازن؟
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شخصية جماهيرية بقدر ما تحتاج إلى:
مفاوض هادئ.
مدير أزمة محترف.
صاحب علاقات إقليمية متوازنة.
قادر على بناء توافق شيعي–سني–كردي.
يمتلك رؤية اقتصادية إصلاحية واضحة.
العراق لا يحتاج اليوم إلى صراع محاور، بل إلى إعادة تعريف نفسه كدولة توازن.
الملف العراقي معقّد، لكن الفرصة قائمة إذا ما توفرت قيادة تجمع بين المهنية والخبرة والهدوء، وتستطيع تحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى رافعة نفوذ إيجابي.
رئاسة الوزراء في العراق لم تعد منصباً داخلياً فقط، بل باتت موقعاً إقليمياً بامتياز.
بين إيران وأمريكا والخليج وتركيا، وبين التحديات الأمنية والاقتصادية الداخلية، يقف المرشح المقبل أمام اختبار تاريخي.
النجاح لن يكون في الانحياز، بل في تحقيق التوازن.
ولعل المرحلة الحالية، بما تحمله من تعقيدات، تفرض البحث عن شخصية تمتلك الخبرة الأمنية والسياسية معاً، وتتمتع بقدرة على إدارة التوافق بهدوء، بعيداً عن الاستقطاب، وقادرة على إعادة بناء الثقة داخلياً وخارجياً.







