وكالة حرية | السبت 27 ايلول 2025
شهدت الصين خلال العقد الأخير صعوداً مذهلاً في سوق السيارات الكهربائية، جعلها أكبر سوق عالمية في هذا القطاع، ومصدراً لنحو 6 ملايين سيارة في 2023، متجاوزة بذلك كل الدول الأخرى.
وتمددت شركات كبرى مثل بي واي دي وجيلي وشانغان وشيري إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية والأميركية اللاتينية.
لكن خلف هذه الطفرة يختبئ واقع قاتم داخلي؛ منافسة سعرية شرسة التهمت أرباح الشركات وأغرقت السوق بفائض في الطاقة الإنتاجية، ما يهدد بانهيار عشرات العلامات المحلية.
مأساة «جي يوي».. ضحية حرب الأسعار
تجسد قصة شركة جي يوي الناشئة، المدعومة من بايدو وجيلي، قسوة السوق.
فبعد أن جذبت الأنظار عند تأسيسها عام 2021 انهارت خلال 2024، مخلفة وراءها ديوناً هائلة على مورديها.
راهن لي هونغشينغ، مدير وكالة تسويق رقمي، على مستقبل الشركة، لكنه وجد نفسه غارقاً بديون بلغت 40 مليون يوان، أو ما يعادل 5.6 مليون دولار، بعدما توقفت الشركة عن سداد التزاماتها.
من الدعم الحكومي إلى المنافسة الفوضوية
منذ مطلع الألفية اعتبرت بكين السيارات الكهربائية قطاعاً استراتيجياً، فدعمت الشركات بسخاء عبر الإعفاءات الضريبية والدعم المباشر، ما سمح بولادة مئات العلامات المحلية.
وفي ذروة الازدهار عام 2019، وصل العدد إلى نحو 500 علامة.
غير أن هذا الدعم ولد تخمة في الإنتاج، ومع تباطؤ الطلب محلياً انزلقت السوق إلى حرب أسعار «فوضوية»، دفعت حتى الكبار إلى الضغط على الموردين لبيع المكونات بأقل من التكلفة.
آثار مدمرة على صناعة السيارات وسلسلة الإمداد
انخفض متوسط هامش أرباح شركات السيارات الصينية إلى 4.3% عام 2023، مقارنة بنحو 8% في 2017، أما معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية فلا تتجاوز 50%، وفق بيانات مورنينغ ستار.
يشكو الموردون من تأخير في الدفعات وطلبات متكررة لتخفيض الأسعار بما لا يقل عن 10% سنوياً، بعضهم اضطر لخفض الأجور بنسبة 30% أو اللجوء إلى عمالة مؤقتة لتقليص التكاليف.
وكانت النتيجة تراجعاً ملحوظاً في جودة المكونات والسيارات نفسها.
قلق حكومي.. ومصطلح «الانغماس الداخلي»
أدركت السلطات الصينية أن المنافسة المحمومة أصبحت عائقاً للنمو الاقتصادي، فأطلقت حملة ضد ما يسمى بـ«الانغماس الداخلي» أو Neijuan، أي التنافس المفرط غير المنتج.
وتعهدت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات بالحد من «المنافسة الانغماسية» التي تضعف الاستثمار في البحث والتطوير وتضر بجودة المنتجات.
وفي يوليو تموز الماضي، جعلت اللجنة المركزية للشؤون المالية «تنظيم المنافسة غير المنضبطة بالأسعار المنخفضة» أولوية سياسية.
خطوات حكومية دون حلول جذرية
اتخذت بكين عدة إجراءات في الأشهر الأخيرة لمحاولة احتواء الأزمة، من بينها إلزام شركات السيارات بدفع مستحقات الموردين خلال 60 يوماً، واستدعاء كبار التنفيذيين للتحذير من جولات جديدة من حرب الأسعار، إلى جانب وضع قواعد لتقليص الدعم المحلي والحد من فائض الإنتاج.
ومع ذلك يرى خبراء اقتصاد أن هذه التدابير تبقى محدودة التأثير، إذ إن وقف الاستثمار أو إغلاق المصانع قد يؤدي إلى خسائر وظيفية واسعة، علماً أن قطاع السيارات يوظف أكثر من 4.8 مليون شخص في الصين.
تناقض بين التوسع الخارجي والأزمة الداخلية
بينما تتوسع الشركات الصينية إلى الخارج وتنافس على أسواق أوروبا وأميركا اللاتينية، تواجه داخلياً خطر التآكل الذاتي.
يضع هذا التناقض الحكومة أمام معادلة صعبة؛ كيف تحافظ على مكانة الصين كمركز عالمي للسيارات الكهربائية، من دون التسبب ببطالة واسعة أو انهيار صناعي.
توقعات قاتمة لسنوات مقبلة
يتوقع خبراء في القطاع أن تستمر «جولات الإقصاء» بين الشركات لخمس سنوات على الأقل، حتى يتبقى في السوق عدد محدود من العلامات القادرة على المنافسة.
قال هي شياوبنغ، مؤسس Xpeng، صراحة إن «جولات الإقصاء ستتواصل، ولن يبقى في النهاية سوى خمس شركات فقط».







