وكالة حرية | 7شباط 2026
نرمين عثمان
لا تقوم هيمنة الدول العظمى وأصحاب السلطة على القوة العسكرية وحدها، بل تعتمد أساسًا على سياسة أكثر خبثًا وعمقًا،سياسة كسر وعي الشعوب قبل كسر إرادتها. فحين تفشل السلطة في إخضاع الإنسان بالسلاح، تلجأ إلى إخضاعه بالفكرة، وتزرع في عقله قناعة خطيرة مفادها أنه غير كفؤ للحكم، بلا تاريخ، وبلا قدرة على إدارة شؤونه دون وصاية.
تعمل هذه السياسة على اقتلاع الشعوب من جذورها التاريخية. يُشوَّه الماضي عمدًا، وتُطمَس الإنجازات الحضارية، ويُعاد تقديم التاريخ وكأنه سلسلة من الفشل والعجز، بينما تُمنح السلطة أو القوة المهيمنة دور “المنقذ” و”الراعي”. والنتيجة شعب يرى نفسه دائمًا ناقصًا، ويرى سيده متفوقًا بطبيعته.
أما التعليم والإعلام، فهما السلاح الأخطر في هذه المعركة. تُصاغ المناهج لتُخرّج أجيالًا مطيعة لا ناقدة، تحفظ ولا تسأل، وتؤمن بأن الاستقرار أهم من الكرامة، وبأن الحرية مغامرة غير محسوبة. ويُستخدم الإعلام لإعادة إنتاج خطاب الامتنان القسري: كل ما تعيشونه من خير هو من فضل السلطة، حتى يصبح الحق منّة، والعدالة هبة.
لكن هذه اللعبة، مهما طال أمدها، ليست أبدية. فالتاريخ يشهد أن الشعوب التي تستعيد وعيها تُسقِط أعتى الإمبراطوريات. وحين يدرك الناس أن ما سُرق منهم لم يكن التاريخ فقط، بل الثقة والكرامة، تبدأ مرحلة جديدة، مرحلة السؤال، ثم الرفض، ثم الفعل.
إن أخطر أشكال الاستعمار هو ذاك الذي يجعل الضحية تشك في أحقيتها بالحياة الكريمة. ومواجهة هذا الاستعمار لا تبدأ بإسقاط الأنظمة وحدها، بل بإسقاط الرواية التي صنعتها السلطة عن نفسها وعن شعوبها. فحين يتحرر الوعي، تصبح السلطة، مهما عظمت، كيانًا هشًا قابلًا للزوال.







