وكالة حرية | الاربعاء 24 ايلول 2025
سنا الشامي
يعتبر وصف تاريخ طريق الحرير الذي يعود لآلاف السنين مهمة شاقة، فهو يذكر بالصعوبات التي واجهها التاجر المسافر مع قافلته من الجِمال أثناء تنقلهم في مساحات صحراوية قاحلة شديدة الحرارة، وأعلى سلاسل جبال العالم، ويزداد هذا الأمر صعوبة لأن الطريق نفسه لم يكن امتداداً متواصلاً من الطرق، بل شبكة ضخمة من الطرق غير المعلمة والمتغيرة باستمرار.
ولم يكن طريق الحرير معروفاً حتى في العصور ما قبل الحديثة، واسمه الحالي الذي يتداول اليوم لم يأت مع أول قافلة بل ابتكر في القرن الـ 19 عندما كان الغرب مفتوناً بالشرق والمشرقيين، إذ أطلق عليه هذا الاسم الجغرافي الألماني فرديناند فون ريشتهوفن للمرة الأولى عام 1877، وأصبح كثير من طلاب ريشتهوفن مستكشفين بارزين على طول طريق الحرير، ومن بينهم سفين هيدين وألبرت غرونفيدل وألبرت فون لو كوك، إلا أن انتشار هذا الاسم ومعرفته على نطاق واسع كان عام 1936، عندما حمل كتاب سفين هيدين عن اكتشافاته في آسيا الوسطى عنوان “طريق الحرير”.
سر شرق آسيا
كان سر شرق آسيا الأعمق في العصور القديمة هو صناعة الحرير، وقد أدرك الأباطرة الصينيون الفرص الاقتصادية الهائلة التي ستتأتى من احتكار هذا المنتج الفاخر، فمنذ عهد المسيح تقريباً كان تصدير بيض دودة القز وبذور التوت من الصين محظوراً وعقوبته الإعدام، لكن الحرير لم يكن السلعة الوحيدة التي جلبت عبر طريق الحرير، فقد شملت السلع الأخرى المتداولة التوابل والشاي والمعادن النفيسة والملابس والحيوانات، والأهم من ذلك كله الورق، كما انتقلت أيضاً الأديان واللغات والتقنيات والعادات الثقافية وحتى الأمراض، عبر هذه الطرق.
ويبدأ تاريخ طريق الحرير بجدية في القرن الثاني قبل الميلاد مع دبلوماسي صيني يدعى تشانغ تشيان خلال عهد أسرة هان، إذ انطلقت هذه الشبكة بقوة، وفي عهد أسرة تانغ بين القرنين السابع والتاسع، كانت فترة ذهبية للتجارة مع ازدهار كبير وتواصل ثقافي متعدد، ولكن لم تكن هذه الشبكة نشطة دائماً بالطريقة نفسها، فقد كانت هناك فترات من النشاط العالي، ولا سيما بين القرن الثاني والثالث الميلادي، ثم بين القرنين السابع والـ 11، وغالباً ما تزامنت هذه الفترات مع استقرار الإمبراطوريات الكبرى، سواء في الصين أو الهند أو بلاد فارس أو بلاد الشام.
إفشاء السر ووصوله إلى روما
كان الحرير حكراً على البلاط الإمبراطوري الصيني في صناعة الأقمشة والستائر واللافتات وغيرها من القطع المرموقة، إذ كانت تقنية إنتاجه سراً محفوظاً بشدة داخل الصين لـ 3 آلاف عام، حيث أصدرت مراسيم إمبراطورية أحكام بالإعدام على أي شخص يكشف عن عملية إنتاجه لأجنبي.
وفي مرحلة خلال القرن الأول قبل الميلاد، دخل الحرير إلى الإمبراطورية الرومانية واعتبر من الكماليات الفاخرة التي انتشرت بصورة كبيرة، مترافقة مع إصدار مراسيم إمبراطورية للتحكم في أسعاره، واستمرت شعبية الحرير طوال العصور الوسطى مع وضع لوائح بيزنطية مفصلة لتصنيع الملابس الحريرية، وإضافة إلى ذلك كانت حاجات الكنيسة البيزنطية من الملابس والستائر الحريرية كبيرة، وهكذا كان هذا المنتج الفاخر أحد الدوافع الأولى لتطوير طرق التجارة من أوروبا إلى الشرق الأقصى، فقد كانت السلعة التجارية البرية المثالية والأخف للقوافل التجارية والدبلوماسية التي ربما قطعت آلاف الأميال للوصول إلى وجهاتها، كما يقول مؤرخ الصين في العصور الوسطى وآسيا الداخلية لدى “جامعة برينستون” في الولايات المتحدة الأميركية شين ون.
وعلى رغم أن المعرفة بإنتاج الحرير كانت قيمة للغاية، وعلى رغم جهود الإمبراطور الصيني لإبقائها سراً مُحكماً، لكنها انتشرت في نهاية المطاف خارج الصين، وانتقلت أولاً إلى الهند واليابان ثم إلى الإمبراطورية الفارسية، وأخيراً إلى الغرب في القرن السادس الميلادي، وفي وقت لاحق عندما جرى جلب تكنولوجيا صناعة الحرير إلى البحر الأبيض المتوسط، ابتكر الحرفيون في دمشق نسيج الحرير المنسوج القابل للعكس، والمعروف باسم الدمشقي.
الخيل واليشمُ تعرف الصينيين
ولكن يقال إن أهم وأطول التبادلات على طريق الحرير كانت تجارة الحرير في مقابل الخيول، إذ قايض التجار والمسؤولون الصينيون قطعاً من الحرير بالخيول الأصيلة من سهوب منغوليا وهضبة التبت، ويعود تاريخ الشراكة بين البشر والخيول إلى ما يقارب 5500 عام، وقد كانت ضرورية للحياة اليومية على طول طرق الحرير، ولا سيما بالنسبة إلى البدو الرحل الذين يعيشون في بيئة فريدة من نوعها في سهوب آسيا الوسطى، ولكن أيضاً في المجتمعات المستقرة المجاورة التي تعتمد على الخيول للسفر والتجارة والزراعة، كما امتلكت الخيول مكانة بارزة في الأعمال الفنية لكثير من الشعوب على طول طرق الحرير، بما في ذلك الرسم والمخطوطات المضيئة والتماثيل والخزف والشعر والأدب.
أما اليشم، الحجر الكريم ذو اللون الأخضر البلوري، فقد كان حجر أساس في الثقافة الطقسية الصينية، وعندما نفدت إمدادات اليشم في الألفية الخامسة قبل الميلاد كان من الضروري للصين إقامة علاقات تجارية مع جيرانها الغربيين، مثل مملكة خوتان الإيرانية القديمة التي كانت أنهارها غنية بقطع اليشم النفريتية، وهو أجود أنواع اليشم المستخدم في نحت التماثيل والمجوهرات المعقدة، وعليه ازدهرت تجارة اليشم مع الصين طوال فترة طريق الحرير، وكذلك تجارة الأحجار الكريمة وشبه الكريمة الأخرى مثل اللؤلؤ.
بين رائحة الورق والتوابل مسافة أمان
وعلى طريق الحرير كان المسافرون يحملون وثائق ورقية تُعد بمثابة جوازات سفر لعبور الأراضي البدوية أو قضاء الليالي في قوافل إحدى واحات طريق الحرير، لكن أهم وظيفة للورق على طول طريق الحرير كانت ربطه بالنصوص والكتب التي تنقل أنظمة فكرية جديدة كلياً، وبخاصة الدِين، لذا أدت التجارة الباكرة للورق وانتشار تقنيات صناعته على طول المناطق التي يشملها طرق الحرير إلى تحسين قدراتنا على تسجيل وتخزين المعلومات ونقل المعرفة، وباعتبارها مادة ملائمة وميسورة الكلفة للحفاظ على الكتابة، فقد سهلت الورقة أنشطة التبادل الثقافي بصورة كبيرة.
وبحسب الوثائق فقد اخترع الورق في الصين خلال القرن الثاني الميلادي، وانتشر للمرة الأولى في جميع أنحاء آسيا مع انتشار البوذية، وفي عام 751 دخل إلى العالم الإسلامي عندما اشتبكت القوات العربية مع سلالة تانغ في معركة طلاس، ليبني بعدها الخليفة هارون الرشيد مصنعاً للورق في بغداد، مما أدخل صناعته إلى مصر وشمال أفريقيا وإسبانيا، ووصل أخيراً إلى أوروبا في القرنين الـ 12 والـ 13.
ومن بين رائحة الورق التي عشقها المفكرون والمؤرخون، عبقت رائحة التوابل القادمة من شرق وجنوب آسيا، مثل القرفة من سريلانكا والقرفة الصينية التي كانت تعتبر سلعاً تجارية نادرة ومرغوبة، لكنها لم تكن تنقل عبر الطرق البرية لطريق الحرير، بل عبر طريق الحرير البحري القديم الذي ربط المدن الساحلية من إندونيسيا غرباً عبر الهند وشبه الجزيرة العربية، فقد كانت التوابل تقدّر لاستخدامها في الطبخ والطقوس الدينية والطبية، ولقد أدى تبادل التوابل والأعشاب مع كثير من تقنيات إنتاج الأغذية والأطعمة الأخرى عبر طرق الحرير، إلى ترك إرث من تراث تذوق الطعام المشترك الذي نتمتع به في جميع أنحاء العالم اليوم.
زينة النخبة وزينة الزجاج
أما السلعة الغريبة فقد كانت العبيد، إذ كانوا يعتبرون بضاعة من بضائع طريق الحرير، تُشترى وتُستعمل وتُباع لتحقيق الربح، وكثيراً ما كانوا يُنقلون لمسافات طويلة براً وبحراً للتجارة في الأسواق الأجنبية، فقد انتشرت العبودية على طول طريق الحرير ولم تقتصر على ثقافة أو مكان أو فترة زمنية محددة، ولعل أهميتها في اقتصاد طريق الحرير نافست أهمية الحرير أو الخيول أو غيرها من السلع.

قطعة من الخزف الصيني تحمل آثار التبادل والتفاعل بين الشرق والغرب على طول طريق الحرير التاريخي
وانتشرت أسواق العبيد على طول طريق الحرير من دبلن على شواطئ المحيط الأطلسي إلى شاندونغ على المحيط الهادئ، كما كتبت مؤرخة طريق الحرير سوزان ويتفيلد “أصبح العبيد خدماً ومضيفين وخصيان للبلاط الملكي، أما الكاتب شين وين فيقول “كان العبيد أشبه بزينة حياة النخبة على طريق الحرير، وليس مصدراً اقتصادياً كبيراً”.
وكل السلع التي ذكرت آنفاً لا يضنيها السفر كل هذه المسافة وتستطيع التحمل، لكن أن ينقل الزجاج من قارة إلى أخرى في تلك الأزمنة فيعتبر ضرباً من الجنون، وعلى رغم أن الزجاج لم يكن يلعب دوراً مهماً في الفنون والحرف اليدوية في الصين عند مقارنته بالسيراميك والمنتجات المعدنية، فقد جرى استيراد الأواني الزجاجية إلى الصين، وهناك أدلة عدة وذات قيمة على وجود علاقات تجارية بعيدة المدى تنطوي على تبادل المنتجات الزجاجية، والتي امتدت عبر طرق الحرير، وبالتزامن مع التفاعلات والتقارب بين الثقافات، والذي حدث من خلال دمج العناصر الفنية والأسلوبية المختلفة في إنتاج الأواني الزجاجية، فقد وجد علماء الآثار الذين نقبوا في تلال الدفن في الصين وكوريا وتايلاند والفيليبين أوان زجاجية رومانية ضمن الممتلكات الثمينة للنخبة الآسيوية، وقد كان هذا النوع المميز من زجاج الصودا والجير المصنوع في روما والمصمم على شكل مزهريات وكؤوس، يقايض بشغف بالحرير الذي كان الرومان مولعين به.







