وكالة حرية | الاربعاء 13 آب 2025
رغد زيد
في زوايا بعض المدن، تقف أبنية ضخمة، وجسور معلّقة، وملاعب شاهقة، تبدو لأول وهلة كأنها إنجازات عمرانية تتباهى بها الدول أمام العالم. لكن سرعان ما يكتشف المتأمل أن هذه الصروح خاوية من الحياة، بلا جمهور، ولا مردود يوازي ما أُنفِق عليها. هذه هي الحكاية التي تُعرف عالميًا باسم “ظاهرة الفيل الأبيض”.
المعنى والجذور التاريخية
يعود مصطلح “الفيل الأبيض” إلى ممالك جنوب شرق آسيا، حيث كان امتلاك فيل أبيض رمزًا للهيبة الملكية، لكنه عبء مالي ثقيل بسبب منع استخدامه في العمل وارتفاع تكاليف رعايته. ومن هذه الدلالة الرمزية، انتقل المصطلح إلى السياسة والاقتصاد ليصف المشاريع العامة الضخمة التي تستنزف الأموال دون مردود فعلي أو فائدة مجتمعية حقيقية.
ملامح مشاريع “الفيل الأبيض“
كلفة إنشائية عالية دون عائد اقتصادي متوازن.
غياب الدراسات التخطيطية الواقعية.
ضعف الاستخدام أو الإهمال بعد الافتتاح.
دافع سياسي أو دعائي بدل الجدوى التنموية.
تجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي للمكان.
أمثلة عالمية
البرازيل – مونديال 2014: مليارات أُنفقت على ملاعب انتهى بها الأمر مغلقة أو كمستودعات.
سريلانكا – مطار ماتالا راجاباكسا: كلف أكثر من 200 مليون دولار، واليوم شبه مهجور.
جنوب إفريقيا – استاد مبومبيلا: تحوّل بعد كأس العالم 2010 إلى عبء على السلطات المحلية.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي
تستنزف هذه المشاريع المال العام وتُعمّق فجوة الثقة بين الحكومات والمواطنين. وفي الوقت الذي تحتاج فيه الشعوب إلى مدارس ومستشفيات وخدمات أساسية، تُهدر الموازنات على أبنية لا تخدم إلا الصورة الدعائية. كما تُعطل هذه الظاهرة الاستثمار في القطاعات المنتجة، وتثقل كاهل الموازنات بنفقات صيانة وحراسة لمشاريع معطلة.
“الفيل الأبيض” في العراق
منذ عام 2003، شهد العراق موجات من المشاريع الاستراتيجية التي انتهى كثير منها متوقفًا أو معطلاً:
المستشفيات الألمانية (2012): كلفة تجاوزت مليار دولار ولم تُسلَّم حتى اليوم.
ميناء الفاو الكبير: تعثر سنوات بفعل الخلافات السياسية وسوء التخطيط.
مشاريع إسكان: هياكل خرسانية مهجورة ابتلعت الموازنات.
أسباب عراقية بامتياز
فساد مالي وإداري يفتح الباب أمام تعاقدات وهمية.
تقلبات سياسية توقف أو تغير مسار المشاريع مع كل دورة حكومية.
سوء التخطيط وضعف الدراسات الفنية قبل التنفيذ.
غياب الرقابة والمساءلة.
نحو كسر الدائرة
إن أراد العراق التخلص من إرث “الفيل الأبيض”، فالحل يبدأ من التخطيط السليم، والرقابة المستمرة، وربط التنفيذ بالمساءلة، لضمان أن تتحول المشاريع إلى أصول منتجة، لا إلى أطلال تذكر الناس بفصول الهدر والفساد.
وفي الختام ســـلام
“الفيل الأبيض” ليس مجرد مشروع متوقف، بل انعكاس لعقلية استعراضية تقدم المظهر على الحاجة. إن لم تُربط القرارات التنموية بالشفافية والمساءلة، ستظل هذه الهياكل الخرسانية شاهدة على زمن أُهدرت فيه الثروات، وتركت المدن مليئة بصروح صامتة بلا حياة.







