وكالة حرية | الخميس 25 ايلول 2025
تحولت أزمة تطبيق «تيك توك» (TikTok) في الولايات المتحدة إلى واحدة من أكثر القضايا الرمزية في الحرب التكنولوجية الباردة بين واشنطن وبكين.
فالتطبيق، الذي بات منصة رئيسية للتواصل بين أكثر من 170 مليون أميركي، لم يعد مجرد فضاء للترفيه والمحتوى القصير، بل صار ساحة مواجهة بين اعتبارات الأمن القومي الأميركي والطموحات التكنولوجية الصينية.
مشهد اليوم يناقش الخلفيات والأسباب والنتائج، فإلى التفاصيل:-
جذور الأزمة: الخطر الصيني
منذ البداية، انطلقت الأزمة من مخاوف أمنية راسخة في واشنطن، تمحورت حول نقطتين أساسيتين يعتبران أهم ما كان يقلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب:
أولاً: البيانات والأمن القومي: خشيت الإدارة الأميركية من أن تكون بيانات المستخدمين الأميركيين عرضة لوصول الحكومة الصينية بموجب قوانينها الاستخباراتية.
ثانياً: التأثير الخفي: رأى المشرعون الأميركيون أن الخوارزمية، التي تتحكم بما يشاهده الجمهور، قد تتحول إلى أداة للتأثير في الرأي العام أو حتى للتلاعب بالانتخابات.
بناءً على ذلك، صدر قانون يجبر «بايت دانس» (ByteDance) المالكة للتطبيق على بيع أصول «تيك توك» الأميركية أو مواجهة الحظر الكامل.
من الحظر إلى الصفقة
على مدى عامين، ظل «تيك توك» مهدداً بالتوقف، حيث أُقرّ الحظر في يناير 2025 قبل أن يُعلق مراراً بقرارات من الرئيس دونالد ترمب. الأخير اختار استراتيجية مختلفة: تحويل الأزمة إلى صفقة تجارية وسياسية تضمن استمرار التطبيق، لكن بشروط أميركية صارمة.
ويعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقيع صفقة تيك توك يوم الخميس، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن البيت الأبيض عن اقتراب إتمام صفقة بيع شركة بايت دانس الصينية للتطبيق، بحسب رويترز.وبحسب CNN، قال مسؤول من اليت الابيض إن الولايات المتحدة واثقة من أن الصين وافقت على الصفقة، ولا تخطط لإجراء محادثات إضافية مع بكين بشأن تفاصيلها.
وقد أجّل ترامب تنفيذ القانون حتى منتصف ديسمبر كانون الأول ضمن جهود لاستخراج أصول تيك توك الأميركية من المنصة العالمية، وإدخال مستثمرين أميركيين وضمان أن الملكية الجديدة تستوفي شرط الانفصال الكامل بموجب قانون 2024.
وأفاد ترامب بحسب تصريحات سابقة بأن رجل الإعلام لاكلان مردوخ ورجال الأعمال لاري إليسون ومايكل ديل سيشاركون كمستثمرين أميركيين في الصفقة المقترحة لإبقاء تيك توك قيد التشغيل في البلاد.
وبموجب الاتفاق المتوقع، ستكون أصول تيك توك الأميركية مملوكة في أغلبها لمستثمرين أميركيين وتدار في الولايات المتحدة من قبل مجلس إدارة يتمتع بخبرة في الأمن القومي والأمن السيبراني، بحسب مسؤول في البيت الأبيض.
ووفقاً لوول ستريت جورنال، فإن المستثمرين الحاليين ومجموعة من الداعمين الأميركيين الجدد، من بينهم شركة الأسهم الخاصة سيلفر ليك وشركة الحوسبة السحابية أوراكل، سيمتلكون معاً نحو 80% من الشركة.
كما ذكرت رويترز أن الاتفاق يتطلب تخزين جميع بيانات المستخدمين الأميركيين على بنية تحتية للحوسبة السحابية في الولايات المتحدة تديرها أوراكل.
وبحسب ما أعلنه البيت الأبيض أمس، أن ترامب سيوقع اليوم اتفاقاً ينهي الأزمة من خلال فصل عمليات «تيك توك» الأميركية عن «بايت دانس»، بحيث:
تنتقل السيطرة إلى مستثمرين أميركيين، مع احتفاظهم بغالبية مجلس الإدارة (6 مقاعد من أصل 7).
تتولى «أوراكل» إدارة بيانات المستخدمين والخوارزمية، بما يضمن الاستقلالية عن الصين.
تحصل الحكومة الأميركية على مليارات الدولارات من عوائد الصفقة كرسوم تنظيمية.
من انتصر في النهاية؟
هنا يطرح السؤال الأهم: هل انتصرت أميركا بفرضها هيمنة تنظيمية ومالية على التطبيق؟ أم أن الصين ربحت معركة الصورة والهوية؟
من ناحية، يمكن القول إن واشنطن حققت انتصاراً مؤقتاً، بعدما أجبرت «بايت دانس» على التخلي عن سيطرتها المباشرة على العمليات الأميركية، وضمنت إشراف شركاتها على البيانات والخوارزمية.
لكن من ناحية أخرى، يظل الانتصار الرمزي بيد الصين، إذ سيبقى التطبيق مرتبطاً في أذهان الملايين حول العالم بصفته «اختراعاً صينياً»، وهو ولاء ذهني طويل الأمد لا تمحوه الصفقات ولا القوانين. فجمهور «تيك توك» أينما كان يعرف أنه صنيعة بكين، حتى لو أصبح تحت إدارة أميركية محلية.
بالنهاية، الصفقة قد تكون حلاً عملياً للأزمة الأميركية – الصينية حول «تيك توك»، لكنها لا تحسم معركة التفوق التكنولوجي.
ترامب قد يكون كسب الجولة مؤقتاً بإخضاع المنصة لشروطه، إلا أن الصين تحتفظ بجائزة أكبر: أنها صاحبة الفكرة التي غيّرت قواعد اللعبة عالمياً.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل انتصرت واشنطن بفرض السيطرة، أم انتصرت بكين لأنها تركت بصمتها في وعي مئات الملايين من المستخدمين حول العالم؟







