بقلم: أحمد الحمداني
في اللحظات التي تقترب فيها الدول من حافة الانزلاق نحو الفوضى لا يُقاس النجاح بعدد البيانات ولا بحجم التصريحات بل بقدرة المؤسسات على احتواء الخطر قبل أن يتحول إلى واقع. وما جرى خلال الساعات الماضية في العراق يعكس نموذجاً نادراً في إدارة الأزمات حيث تلاقت الإرادة السياسية مع القرار القضائي والحكمة القيادية لتفكيك مشهد كان قابلاً للانفجار.
في قلب هذا التحرك، برز دور الدكتور فائق زيدان بوصفه ضابط الإيقاع القانوني والمؤسسي فالقضاء هنا لم يكن جهة مراقبة فقط بل تحول إلى صمام أمان حقيقي، أعاد التأكيد على أن الدولة هي المرجعية العليا في ضبط الأمن والسيادة.
تدخل القضاء في لحظة حساسة أرسل رسالة واضحة لا يمكن لأي تصعيد أن يتجاوز سقف القانون، ولا يمكن لأي طرف أن يفرض معادلات خارج إطار الدولة.
بالتوازي جاء دور السيد محمد شياع السوداني ليؤكد البعد التنفيذي والسياسي لإدارة الأزمة رئيس الوزراء تحرك ضمن معادلة دقيقة منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وفي الوقت نفسه الحفاظ على هيبة الدولة والتزاماتها الدولية.
هذا التوازن الصعب يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة حيث لم يعد ممكناً إدارة الأزمات بردود فعل بل بمنطق استباقي قائم على احتواء المخاطر قبل تفاقمها.
أما على مستوى التهدئة السياسية وبناء الجسور فقد لعب السيد عمار الحكيم دوراً محورياً في جمع الأطراف وتخفيف حدة التوتر. الحكيم الذي يمتلك خبرة طويلة في إدارة التوازنات الداخلية ويُوصف بـ”صانع التوازنات”، قدم نموذجاً للقيادة التي تعمل بصمت لكنها تؤثر بعمق، حيث ساهم في خلق مساحة تفاهم بين القوى المختلفة وهي مساحة كانت ضرورية لمنع انتقال الأزمة من مستوى أمني إلى صراع سياسي شامل.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي السياسي الذي كان حاضراً في المشهد و مثل هذه الأزمات لا تُحسم الأمور فقط في العلن بل عبر قنوات دقيقة من الحوار والتنسيق وهو ما أسهم في بناء أرضية مشتركة بين الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق تبرز نقطة بالغة الأهمية لا تقل وزناً عن أدوار المؤسسات وهي أن فصائل المقاومة أظهرت مستوى عالياً من الوعي السياسي والأمني حين تعاملت مع المسار التفاوضي بمسؤولية واحترمت متطلبات المرحلة.
هذا السلوك يعكس إدراكاً بأن حماية الدولة لا تقل أهمية عن أي اعتبار آخر وأن تجنيب العراق الانزلاق إلى حرب مفتوحة هو جزء من معركة الحفاظ على الوطن ذاته إن التزام هذه الفصائل بقرار التهدئة في لحظة شديدة الحساسية يمثل مؤشراً على نضج في قراءة التوازنات، ويعزز فكرة أن معادلة “الدولة أولاً” باتت تحظى بإجماع أوسع مما كان عليه الحال في السابق.
ما حدث ليس مجرد تهدئة ظرفية بل يعكس تحولاً مهماً في طريقة إدارة الدولة العراقية للأزمات ويمكن قراءته عبر ثلاثة مستويات:
أولاً: انتقال الدولة من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، وهو ما ظهر في سرعة التحرك وتكامل الأدوار بين القضاء والحكومة والقيادات السياسية.
ثانياً: تكريس مبدأ “وحدة القرار السيادي”، حيث لم تعد هناك مساحة للفعل المنفرد خارج إطار الدولة، بل تم ضبط الإيقاع ضمن منظومة مؤسساتية واضحة.
ثالثاً: إعادة بناء الثقة بين الداخل والخارج، عبر إظهار أن العراق قادر على إدارة أزماته دون الانزلاق إلى الفوضى أو التحول إلى ساحة صراع مفتوح.
إذا ما استمرت هذه التفاهمات واتسعت لتشمل كل العراق دون استثناء وليس فقط بغداد فإننا أمام تحول استراتيجي حقيقي قد يعيد رسم معادلة الاستقرار في البلاد نجاح هذه الاتفاقية يعني:
تثبيت مبدأ حصر القرار الأمني بيد الدولة.
تقليل احتمالات تحويل العراق إلى ساحة صراع إقليمي.
تعزيز موقع العراق كدولة توازن لا ساحة صراع.
فتح الباب أمام استقرار اقتصادي وأمني طويل الأمد.
بل أكثر من ذلك، فإن تعميم هذه الصيغة على كامل الجغرافيا العراقية سيؤسس لمرحلة جديدة عنوانها “الدولة أولاً”، وهي المرحلة التي طال انتظارها.
العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي لكن ما جرى خلال الساعات الماضية يثبت أن هناك إرادة قادرة على تجنيب البلاد الأسوأ وعندما تتكامل أدوار القضاء والحكومة والقيادات السياسية والمستشارين وتتلاقى معها مسؤولية القوى الفاعلة على الأرض فإن النتيجة لا تكون مجرد تهدئة بل إعادة رسم لمسار الدولة.
وإذا ما كُتب لهذه الجهود أن تستمر وتتوسع، فإن العراق لن يبتعد فقط عن شبح الحرب، بل قد يتحول إلى نموذج إقليمي في إدارة الأزمات وبناء التوازنات.
هذا ليس تفاؤلاً… بل قراءة واقعية لمسار بدأ يتشكل.







