وكالة حرية | الاحد 15 شباط 2026
استيقظت هذا الصباح وكأن جرسًا خفيًا يرنّ في داخلي، لا ليوقظني من نومٍ عابر، بل لينبّهني إلى ضيق الوقت واتساع الأسئلة، بدأت يومي بقطعة تمر، كما لو أنني أستدعي ذاكرة الأرض الأولى، ثم أشعلت سيجارة لأكتب بين دخانها المتصاعد ومرارة الواقع، حاولت أن أجد صيغةً لما يحدث حولنا.
في زمنٍ تختلط فيه الوقائع بالسرديات، وتتنازع فيه السياسة مع التاريخ على حقّ التأويل، تبدو الكتابة فعل مقاومة، لا ترفًا فكريًا لسنا أمام حدثٍ عابر، بل أمام لحظةٍ تكشف هشاشة تصوراتنا وصلابة تحولاتنا.
ربما لا يكون هذا اليوم هو الأخير للكتابة، لكنه بالتأكيد يومٌ يستحق أن يُكتب.
قراءة في برنارد لويس بين “عودة الإسلام” و”جذور الغضب”
بقلم: احمد الحمداني
حين كتب المؤرخ البريطاني–الأميركي برنارد لويس مقالاته الثلاث الأشهر — “The Return of Islam” عام 1976، و“The Roots of Muslim Rage” عام 1990 في The Atlantic، و“Islam and Liberal Democracy” عام 1993 — لم يكن يقدم مقالات أكاديمية عابرة، بل كان يؤسس لرؤية متكاملة أعادت تعريف العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي في العقل السياسي الغربي.
لم تكن أطروحته مجرد قراءة للتاريخ، بل إطارًا لفهم الحاضر وتوقع المستقبل ومن هنا تكمن خطورتها.
لويس لم يقل إن هناك خلافًا سياسيًا عابرًا، بل أشار إلى شيء أعمق عودة الإسلام كقوة سياسية، وغضبًا حضاريًا متجذرًا، وإشكالية بنيوية بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية هذه ثلاثية فكرية متكاملة وإذا أردنا فهم أثرها، علينا أن نقرأها بوصفها مشروعًا واحدًا لا نصوصًا منفصلة.
أولًا: “عودة الإسلام” — من فراغ الدولة إلى عودة الهوية
في مقاله “The Return of Islam”، كتب لويس عن ظاهرة كان الغرب يتعامل معها آنذاك باعتبارها هامشية صعود الإسلام السياسي كانت السبعينيات زمن القومية العربية والاشتراكية والتحالفات الباردة، لكن لويس رأى مبكرًا أن الدين يعود إلى مركز السياسة تحليله انطلق من فرضية واضحة فشل المشاريع القومية العربية خلق فراغًا ملأته الهوية الدينية هنا كان لويس دقيقًا في تشخيص الفراغ، لكنه تعامل مع النتيجة بوصفها عودة ثقافية أكثر منها أزمة سياسية لم يمنح العوامل الداخلية والخارجية وزنها الكامل:
• إخفاق التنمية الاقتصادية
• هزائم عسكرية كبرى
• أنظمة مغلقة ألغت المجال العام
• تدخلات خارجية أعادت هندسة توازنات المنطقة
الفرق بين “العودة” و”البديل” جوهري العودة تعني حنينًا إلى الماضي، أما البديل فيعني بحثًا عن نموذج جديد بعد سقوط نموذج سابق، لويس قرأ الظاهرة بوصفها صحوة هوية، لكنها قد تُقرأ أيضًا بوصفها احتجاجًا على فشل الدولة الحديثة في نسختها المحلية والمستوردة.
ثانيًا: “جذور الغضب” — حين ينتقل الخلاف من السياسة إلى الحضارة
في 1990، وقبيل حرب ام المعارك او الخليج الأولى، كتب لويس مقاله الأشهر “The Roots of Muslim Rage”. هنا انتقل من توصيف ظاهرة إلى تأطير صراع لم يعد الأمر يتعلق بعودة تيار سياسي، بل بوجود “غضب” حضاري عميق تجاه الغرب صاغ الفكرة بطريقة لافتة أن العداء ليس نتاج سياسات آنية، بل تعبير عن شعور تاريخي بفقدان التفوق الحضاري الإسلامي أمام صعود الغرب.
هذا الطرح جذاب لأنه شامل، لكنه خطير لأنه يحوّل السياسة إلى قدر حين يُقال إن التوتر بين عالمين هو صدام حضارات، يصبح الحل مستحيلًا الحضارات لا تتفاوض، بل تتواجه.
السؤال الذي يغيب هنا:
هل يمكن اختزال قرنين من الاستعمار المباشر وغير المباشر، وتقسيم الخرائط، ودعم أنظمة سلطوية، في مفهوم “غضب ثقافي”؟
حين يُختزل كل ذلك في “غضب”، يصبح الفعل بلا فاعل ويصبح التاريخ بلا مسؤولية سياسية.
الغضب ليس فكرة ميتافيزيقية هو رد فعل.
والرد فعل لا يُفهم دون فهم الفعل الأول.
ثالثًا: الإسلام والديمقراطية — سؤال التوافق أم سؤال النموذج؟
في مقاله “Islam and Liberal Democracy”، طرح لويس سؤالًا تكرر لاحقًا في مراكز الأبحاث الغربية هل الإسلام متوافق مع الديمقراطية الليبرالية؟
استند في تحليله إلى:
• مركزية الشريعة كمصدر أعلى للتشريع
• غياب مفهوم السيادة الشعبية بصيغته الحديثة في الفقه التقليدي
• تاريخ طويل من الحكم السلطاني
لكن السؤال ذاته يحمل افتراضًا ضمنيًا أن الديمقراطية الليبرالية الغربية هي النموذج النهائي للتنظيم السياسي. هذا الافتراض لا يُناقش، بل يُسلّم به.
التجربة الأوروبية نفسها لم تولد ديمقراطية جاءت الديمقراطية نتيجة حروب أهلية وصراعات طبقية وثورات اجتماعية طويلة، ولم تكن نابعة من جوهر ثقافي صافٍ.
فلماذا يُفترض أن غياب نموذج ديمقراطي مستقر في العالم الإسلامي دليل على مانع ثقافي جوهري؟
ربما السؤال ليس عن توافق الإسلام مع الديمقراطية، بل عن توافق البيئة السياسية المحلية والدولية مع أي مشروع إصلاحي حقيقي.
حضاراتنا ليست هامشًا في كتاب الغرب
هنا، تحديدًا، يظهر أحد أهم عيوب إطار لويس أنه يتعامل مع “العالم الإسلامي” كما لو أنه كتلة تاريخية تبدأ من لحظة الاحتكاك بالغرب الحديث، بينما الحقيقة أن منطقتنا ليست مجرد “ساحة رد فعل”.
نحن أبناء أرض لم تُنتج دينًا وحضارة واحدة فحسب، بل أنتجت سلسلة حضارات تأسيسية شكّلت العقل الإنساني قبل أن تولد كثير من أنماط الدولة الحديثة.
هذه الأرض ليست مجرد “شرق أوسط” على خرائط القرن العشرين إنها بلاد ما بين النهرين الرافدان، التاريخ الذي كتب أول حرف، وأول قانون، وأول مدينة، وأول تصور للدولة.
هنا قامت الحضارة السومرية، ثم الأكدية، ثم البابلية، ثم الآشورية، وفيها تشكلت فكرة العمران والإدارة والاقتصاد والجيش والبيروقراطية قبل أن يصبح العالم يعرف معنى الدولة.
حين نقول “حضارة إسلامية”، فإننا لا نختزل ما قبلها، بل نضعها في سياقها الطبيعي الإسلام لم يأتِ إلى فراغ حضاري، بل إلى أرض خبرت المدينة والدولة والكتابة والتشريع.
وهنا نقطة أساسية يغفلها لويس حين يتعامل مع الإسلام بوصفه “حضارة شاملة” منفصلة عن السياق الإنساني الأوسع، ثم يبني على ذلك أن الصدام مع الغرب “حضاري”.
المنطقة التي أنتجت شريعة حمورابي لم تكن غريبة عن مفهوم القانون والأرض التي عرفت الإدارة والضرائب والريّ والتنظيم العسكري منذ آلاف السنين لا يمكن تفسير علاقتها بالعالم الحديث بمنطق “الغضب”.
هذا ليس دفاعًا عاطفيًا عن التاريخ، بل تصحيح للزاوية حين تُقرأ منطقتنا فقط بوصفها “تدينًا سياسيًا” أو “رد فعل حضاري”، فهذا يعني أن تاريخها يُمحى، وأن حاضرها يُختزل.
بين “الغضب” وطمس الجذر الحقيقي
عيب لويس الأساسي أنه يختار عنوانًا يبدو تفسيرًا نفسيًا “الغضب” لكن السياسة لا تُفسَّر بعواطف مجردة.
حين تصف اعتراض شعوبٍ عاشت الاحتلال والانقلابات والدعم الانتقائي للأنظمة وتجزئة الخرائط بأنه “غضب”، فأنت تقوم بثلاث عمليات في لحظة واحدة:
1. تجريد الحدث من سببه السياسي
2. تجريد الضحية من حقها في تفسير تجربتها
3. منح النظام الدولي تبرئة ضمنية لأن المشكلة تصبح في “الوعي”، لا في “الفعل”
والنتيجة أن “الغضب” يصبح صفة لصيقة بثقافة كاملة، لا رد فعل على سياسات محددة وهنا يصبح المسلم “غاضبًا” قبل أن يُسأل: ممّ؟ ولماذا؟ ومن فعل ماذا؟
هذا تحويل خطير للصراع من سؤال العدالة إلى سؤال الهوية.
نقص آخر: التعميم على حساب التعقيد
لويس يتحدث عن “العالم الإسلامي” ككتلة واحدة، ويقرأ ظواهر سياسية متعددة وكأنها نابعة من جذر حضاري واحد.
لكن العالم الإسلامي ليس وحدة متجانسة:
• تاريخ المشرق ليس تاريخ المغرب
• تجربة العراق ليست تجربة إندونيسيا
• مسارات الدولة في تركيا ليست مسارات الدولة في شبه الجزيرة العربية
• حتى داخل البلد الواحد تتعدد القراءات والطبقات والمصالح
التعميم قد يخدم بناء نظرية، لكنه يقتل فهم الواقع.
نقص ثالث: تحويل الديمقراطية إلى اختبار ثقافي
عندما يُطرح سؤال “هل الإسلام متوافق مع الديمقراطية الليبرالية؟” بوصفه سؤالًا عن “الإسلام”، فإننا نغفل أن ما عطّل الديمقراطية في منطقتنا ليس نصًا دينيًا فقط، بل منظومة متشابكة:
• بنى دولة ريعية
• أجهزة أمنية
• صراعات إقليمية
• تدخلات دولية
• اقتصاد تابع أو مُعاقَب
• نخب سياسية أُعيد إنتاجها بالقوة أو بالمصالح
الديمقراطية ليست امتحان ثقافة، بل نتيجة ميزان قوى ومؤسسات وقانون ومجال عام أوروبا نفسها لم تنتج الديمقراطية لأنها “أرقى ثقافيًا”، بل لأنها خاضت صراعًا طويلًا ضد السلطة المطلقة وبنت المؤسسات تدريجيًا.
حين يُسمّى الدفاع عن الكرامة غضبًا، المشكلة في توصيف “الغضب الإسلامي” ليست في الكلمة ذاتها، بل في الإطار الذي تُستخدم فيه.
هل يصبح الدفاع عن السيادة غضبًا؟
هل يُختزل رفض الهيمنة في أزمة هوية؟
هل يتحول الاحتجاج على ازدواجية المعايير إلى مشكلة ثقافية؟
الاختلاف بين القارات والثقافات ليس صدامًا بطبيعته الصدام يبدأ حين يتحول الاختلاف إلى مشروع سيطرة حين تصبح الحداثة أداة ضغط، والديمقراطية شرطًا سياسيًا مشروطًا بالمصالح، والإصلاح مسارًا مرهونًا بإرادة خارجية، فإن الرد ليس غضبًا… بل محاولة لاستعادة التوازن.
قراءة بديلة جذور الاختلال لا جذور الغضب
بدل الحديث عن “جذور الغضب”، يمكن الحديث عن “جذور الاختلال”.
اختلال في ميزان القوة.
اختلال في توزيع الثروة.
اختلال في شرعية الأنظمة.
اختلال في بنية النظام الدولي.
هذه قراءة لا تنفي وجود تيارات متطرفة أو خطابات راديكالية، لكنها ترفض اختزال مجتمعات كاملة في ردود فعل أقليات الحضارات ليست كيانات مغلقة هي أنساق متحركة تتأثر وتتغير لو كان الصدام حتميًا، لما شهد التاريخ فترات تعاون علمي وتجاري وثقافي بين الشرق والغرب المشكلة ليست في التفاعل بل في عدم التكافؤ.
إلى برنارد لويس… بودٍ نختلف
نختلف مع لويس، لكننا لا نرفض الحوار معه نختلف معه لأن تحويل السياسة إلى قدر حضاري يختزل تعقيد الواقع لسنا في حالة عداء مع الغرب كحضارة، ولا في خصومة مع قيم العلم والتقدم لكننا نرفض أن تُختزل علاقتنا بالعالم في صورة “غضب دائم”.
لسنا غاضبين
نحن نبحث عن توازن
التاريخ ليس صدامًا محتومًا هو نتيجة خيارات سياسية وإذا كان ثمة توتر، فسببه ليس اختلاف القارات، بل طريقة إدارة العلاقة بينها.
الخلاصة: حضارتنا أقدم من التهمة
قدّم برنارد لويس قراءة عميقة للتراث الإسلامي، ولا يمكن إنكار ذلك لكن في لحظة معينة، انتقل من المؤرخ إلى المؤطر السياسي وأخطر ما في أطروحته ليس تحليل الماضي، بل رسم مستقبلٍ يُفترض أنه صدامي بطبيعته.
نحن أبناء حضارة إسلامية عظيمة، نعم.
لكننا أيضًا أبناء حضارات بلاد ما بين النهرين: البابلية والأكدية والآشورية وما قبلها حضارات أنتجت القانون والمدينة والكتابة، وأسست لمعنى الدولة قبل أن يتحول العالم إلى “مركز” و”أطراف” حين تُختزل هذه السلسلة الحضارية في كلمة “غضب”، فالمشكلة ليست فينا، بل في زاوية النظرالحضارات لا تتقاتل بذاتها السياسات هي التي تصنع الصراعات وربما آن الأوان لإعادة صياغة السؤال:
ليس لماذا يغضب المسلمون؟
بل كيف يمكن بناء نظام دولي يعترف بالتعددية دون وصاية؟
حين يُسمّى الدفاع عن الكرامة غضبًا، يضيع الفرق بين الفعل ورد الفعل.
والتاريخ، في النهاية، ليس رواية طرف واحد.








يجب ان نحلل المصطلحات ونردها إلى جذورها لنجد المعنى الحقيقي لها من مختلف الزوايا “” تعريف الغضب وأسبابه، ونفنّد معنى الاختزال وسيئاته ، ونفهم معنى التعميم وسلبياته ، التعددية وآثارها، الهيمنة بتعريفها الشامل ، الإسلام السياسي ، الديمقراطية ، الحداثة وتأثيراتها “” ثم نربط الديمقراطية بالدينقراطية ونحلل ترسباتها .