حرية | تقرير تحليلي | 6 آذار 2026 – إعداد: أحمد الحمداني
حادثة صحراء النجف لم تعد مجرد اشتباك ميداني غامض بين قوة مجهولة ووحدة من الجيش العراقي، بل تحولت إلى ملف استخباري مفتوح يمس طبيعة الحرب التي تُدار فوق الأرض العراقية ومن خلالها. فالمعطيات المنشورة حتى الآن تشير إلى أن بغداد قدمت مذكرة احتجاج للتحالف الدولي، وأن القيادة المركزية الأميركية قالت لـ”الحرة” إنها لا تملك في ذلك الوقت تقارير عملياتية تدعم مزاعم تنفيذ قوات أميركية للإنزال، بينما نقلت “الحرة” عن مصادر أمنية عراقية روايات تتحدث عن مروحيات، قوة “نظامية”، اشتباك مباشر، ثم انسحاب جوي سريع من المنطقة كما نقلت الوكالة الرسمية عن الفريق أول الركن قيس المحمداوي أن الحادث أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي لماذا تُختار المنطقة الصحراوية بين النجف وكربلاء والنخيب بالذات لأي إنزال خاص أو مهمة سرية؟
الجواب العسكري والاستخباري يقول إن اختيار مثل هذه البقعة لا يكون عشوائياً أبداً، بل يرتبط عادة بخمسة اعتبارات: العزل، وقلة البصمة السكانية، ومرونة الحركة الجوية، والقرب من خطوط مراقبة أو اعتراض محتملة، وصعوبة الإثبات بعد الانسحاب.
أولاً: لماذا هذه المنطقة بالذات؟
من منظور القوات الخاصة، فإن المسرح الصحراوي المفتوح يمنح ميزات لا توفرها المدن أو الأرياف المزدحمة فالعقيدة الأميركية للعمليات الخاصة تصف هذه القوات بأنها تعمل غالباً في بيئات معادية أو محرومة أو حساسة سياسياً ودبلوماسياً، وبصورة منخفضة الظهور، مع اعتماد كبير على الاستخبارات والعمل الدقيق والسريع كما تؤكد العقيدة نفسها أن الدعم لهذه القوات يُصمم ليتيح عمليات مستقلة ومنخفضة البصمة في مناطق نائية وقاسية.
بمعنى أوضح عندما تريد قوة خاصة تنفيذ مهمة لا تريد لها احتكاكاً كبيراً بالسكان، ولا تريد كاميرات، ولا شهوداً كثراً، ولا زمناً طويلاً للبقاء، فإن الصحراء تصبح الخيار المثالي.
المنطقة القريبة من النخيب تحمل قيمة إضافية؛ فهي معروفة تاريخياً واستراتيجياً بأنها عقدة طرق صحراوية تربط اتجاهات السعودية والأنبار وكربلاء، وقد وصفها باحثون في شؤون تمرد العراق بأنها بلدة صحراوية تقع على تقاطع شبكة طرق تربط هذه المحاور.
وهذا مهم جداً، لأن عقد الطرق في البيئات الصحراوية ليست مجرد طرق نقل، بل ممرات اقتراب، ومناطق إسقاط، ونقاط مراقبة وتحكم لوجستي واستخباري.
ثانياً: ما الذي قد يجعلها مناسبة لإنزال خاص؟
إذا قرأنا الحادث بعين استخبارية بحتة، فهناك أربع فرضيات تشغيلية رئيسية تفسر اختيار المكان:
1) زرع أو تشغيل مجسات ورادارات ميدانية مؤقتة
من أخطر ما ورد في الرواية المنشورة هو الحديث عن احتمال نصب رادارات تشويش أو استطلاع إلكتروني لملاحقة الطائرات المسيّرة أو الصواريخ هذا الطرح لا يمكن الجزم به، لكنه منطقي عملياتياً.
الاستطلاع الخاص في العقائد العسكرية لا يقتصر على الرصد البشري، بل يشمل أيضاً وضع مجسات ومعدّات مراقبة عن بُعد وفي أدبيات الاستطلاع الأرضي لقوات المارينز، يرد بوضوح تدريب عناصر الاستطلاع على إرساء مجسات remote sensors ووسائط relay والمساعدة في تخطيط وتنفيذ مهام نشرها.
في بيئة حرب إقليمية تتكاثر فيها المسيّرات والصواريخ منخفضة الارتفاع، تصبح الصحراء الغربية والجنوبية الغربية للعراق منطقة مثالية لبناء “نافذة إنذار” مؤقتة لاكتشاف المسارات، وقياس البصمات الإلكترونية، وتحديد أنماط العبور، وربما تحسين بنك الأهداف لاحقاً.
2) الاقتراب من ممرات جوية أو نارية محتملة
المروحيات لا تُرسل عادة إلى صحراء مفتوحة لمجرد الظهور إذا نُفذ إنزال من هذا النوع، فالراجح أن الهدف يتعلق بشيء يمر عبر المنطقة أو يمكن رصده منها.
وفي الحروب الحديثة، هذا قد يعني واحداً من الآتي:
مسارات مسيّرات، خطوط عبور صواريخ كروز أو صواريخ منخفضة الارتفاع، أو نقاط مناسبة لرصد الاتصالات والانبثاثات الرادارية.
في هذا السياق، تصبح الصحراء حزام إنذار مبكر أكثر منها مجرد فراغ جغرافي.
3) الاستفادة من ضعف الكثافة السكانية وتأخر الاستجابة
كلما قلّ عدد السكان والشهود، ارتفعت فرصة نجاح عملية قصيرة جداً من نوع:
هبوط – تنفيذ مهمة – جمع/زرع معدات – انسحاب خلال دقائق.
الرواية المنشورة تفيد بأن البلاغ جاء من راعٍ، ثم تحركت قوة عراقية بعد ذلك، ما يعني أن الإنذار لم يكن فورياً عبر منظومة استشعار ثابتة، بل عبر رصد بشري عرضي وإذا صح ذلك، فهذه نقطة بالغة الأهمية:
هي تدل على أن القوة المنفذة ربما كانت تراهن من البداية على أن نافذة الزمن بين الهبوط والانكشاف كافية لإنجاز المهمة.
4) العمل في منطقة تماس إداري وجغرافي رخوة
الفضاءات الواقعة بين حدود المحافظات، خصوصاً في الصحراء المفتوحة، تعاني غالباً من مشكلة كلاسيكية في الأمن الميداني:
من المسؤول أولاً؟ ومن يملك صورة الموقف الكاملة لحظة بلحظة؟
هذا لا يعني غياب السيطرة العراقية، لكنه يعني أن المناطق الواسعة قليلة السكان تُغري دائماً بالعمل السريع والخاطف، لأن الاستجابة فيها قد تتأخر دقائق حاسمة، وهي دقائق تكفي لقوة خاصة مدرّبة كي تهبط وتطلق ناراً وتنسحب.
ثالثاً: إذا لم تكن القوة أميركية… فماذا يعني ذلك؟
النفي الأميركي، إذا أُخذ حرفياً، يفتح مسارين خطيرين الأول أن تكون العملية نفذتها جهة غير أميركية داخل المجال العراقي والثاني أن تكون العملية شديدة الحساسية لدرجة عدم تداولها عملياتياً في القنوات التي ترد عليها الاستفسارات الإعلامية لكن من دون أدلة علنية، يبقى الجزم هنا غير مهني. الثابت فقط أن الهوية لم تُحسم علناً حتى الآن، وأن هذا بحد ذاته مؤشر خطير، لأن العمليات الخاصة عندما تنفذ ضد أهداف داخل دولة ذات سيادة من دون إعلان، فإن المقصود غالباً ليس فقط تحقيق أثر تكتيكي، بل أيضاً إرباك البيئة السياسية وخلق ضبابية ردع.
رابعاً: ما هي الأهداف الاستخبارية المحتملة للعملية؟
من منظور استخباري بحت، يمكن قراءة المهمة ضمن أحد الأهداف التالية، أو مزيج بينها:
الهدف الأول: الاستطلاع الفني والإلكتروني
أي جمع بصمات الرادار والاتصالات والإشارات الإلكترونية في قطاع جغرافي محدد، لفهم حركة المسيّرات أو الصواريخ أو حتى شبكات اتصالات ميدانية.
الهدف الثاني: تحضير مسرح عمليات
القوات الخاصة قد تُرسل أحياناً ليس لتنفيذ الضربة، بل لتهيئة الأرض لضربات لاحقة: وسم أهداف، اختيار مناطق هبوط قادمة، تقييم رد الفعل العراقي، أو اختبار زمن الاستجابة.
الهدف الثالث: اختبار الدفاعات العراقية عملياً
بعض العمليات لا يكون هدفها الرئيس الشيء الموجود على الأرض، بل رد فعل الطرف الآخر:
كم يستغرق وصوله؟ من يرد أولاً؟ هل هناك تنسيق بين القطعات؟ هل يفتح النار مباشرة أم يتردد؟ هل يملك قدرة تعقب بعد الانسحاب؟
الهدف الرابع: إقامة “عين متقدمة” داخل العمق
أي نشر أصول مراقبة، ولو مؤقتة، في مكان منخفض المخاطر البشرية ومرتفع القيمة الجغرافية.
خامساً: لماذا أُطلق النار مباشرة على القوة العراقية؟
هذه نقطة شديدة الحساسية. لأن إطلاق النار فور اقتراب القوة العراقية يوحي بأحد أمرين:
إما أن القوة المنفذة كانت تحمل قواعد اشتباك مغلقة جداً تعتبر أي اقتراب تهديداً فورياً لمهمة سرية.
أو أنها كانت تعمل خارج أي تنسيق مع بغداد وتخشى الانكشاف والاحتجاز أو فقدان المعدات المزروعة على الأرض.
في كلتا الحالتين، نحن أمام سلوك أقرب إلى عملية معادية أو غير منسقة بالكامل وليس مجرد نشاط استطلاع عابر.
سادساً: هل حصلت عمليات مشابهة في دول أخرى؟
نعم، حصلت سوابق معروفة لعمليات إنزال أو تسلل خاص داخل أراضي دول ذات سيادة، لكن يجب التمييز بين التشابه في النمط والتطابق في الهدف.
أبرز الأمثلة:
عملية Eagle Claw في إيران عام 1980
كانت محاولة أميركية معروفة للتوغل داخل إيران باستخدام طائرات ومروحيات إلى موقع صحراوي ناءٍ ضمن خطة معقدة لإنقاذ الرهائن أهم ما يجعلها مفيدة كمقارنة هنا هو أنها تُظهر كيف تُختار البيئات الصحراوية النائية كنقاط دخول مؤقتة بسبب العزلة وقلة الرصد وملاءمة الإخفاء المرحلي وتورد مصادر تاريخية رسمية أميركية أن العملية اعتمدت على موقع صحراوي داخل إيران كجزء من الخطة.
عملية Neptune Spear في أبوت آباد – باكستان عام 2011
وهي العملية الأميركية التي قُتل فيها أسامة بن لادن، ونُفذت بواسطة مروحيات خاصة داخل أراضي دولة ذات سيادة من دون إعلان مسبق علني في حينه. المقارنة هنا ليست في البيئة الصحراوية بل في فلسفة التوغل السريع، والضربة المحددة، والانسحاب قبل تشكل رد ميداني واسع. هذه العملية صارت المثال الأشهر على أن القوى الكبرى قد تنفذ توغلاً قصيراً عالي الحساسية عندما تعتبر الهدف ذا قيمة استراتيجية استثنائية.
عملية عنتيبي في أوغندا عام 1976
نفذتها إسرائيل لمسافة بعيدة جداً داخل دولة ذات سيادة لتحرير رهائن. ويشير العرض الرسمي الإسرائيلي إلى أن ثلاثاً من أربع الطائرات المشاركة وصلت إلى أوغندا ضمن المهمة. أهمية المثال هنا أنه يؤكد أن القوات الخاصة تختار العمق البعيد عندما ترى أن الفائدة الاستراتيجية تبرر المخاطرة السياسية والسيادية.
هذه النماذج لا تثبت ما حدث في النجف، لكنها تؤكد مبدأً معروفاً:
العمليات الخاصة العابرة للحدود أو العميقة ليست استثناءً في تاريخ الحروب، بل أداة معروفة عندما يتعلق الأمر بأهداف استخبارية أو رهائن أو بنى إنذار أو أهداف عالية القيمة.
سابعاً: ماذا تقول هذه الحادثة عن العراق الآن؟
هذه الحادثة، إذا ثبتت خطوطها العامة كما وردت في الروايات الرسمية والإعلامية، تقول إن العراق يواجه ثلاث مشكلات متداخلة:
الأولى أن الفضاءات الصحراوية الواسعة ما زالت تحتفظ بقابلية عالية لأن تُستغل كممرات أو مسارح عمليات قصيرة.
الثانية أن الحرب الإقليمية الحديثة لم تعد تحتاج قواعد ضخمة؛ أحياناً يكفي فريق صغير، ومروحيتان، ومجسّات أو معدات حرب إلكترونية، لإحداث تأثير استراتيجي.
الثالثة أن الغموض بحد ذاته أصبح سلاحاً: فالفاعل يحقق جزءاً من هدفه بمجرد أن يترك الدولة أمام سؤال: من دخل؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومن سمح أو من لم يعلم؟
ثامناً: هل يتعارض هذا مع الإطار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن؟
نعم، من حيث المبدأ، أي نشاط عسكري أجنبي غير منسق داخل العراق يضرب جوهر المبدأ الذي كررته بيانات الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، وهو احترام سيادة العراق ووحدة أراضيه كما أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي والبيانات المشتركة اللاحقة قامت على أساس أن التعاون الأمني يتم بالتوافق والتنسيق مع الحكومة العراقية.
لذلك، إذا كانت القوة المنفذة ليست أميركية، فهذه ثغرة سيادية خطيرة. وإذا كانت أميركية ولم يظهر ذلك في القنوات الرسمية المعلنة، فهذه مشكلة أخطر في القيادة والسيطرة والشفافية العملياتية وفي الحالتين، الضرر سياسي وأمني كبير.
التقدير الاستخباري الراجح
بناءً على ما هو معلن فقط، ومن دون القفز إلى استنتاجات غير مثبتة، فإن الفرضية الأكثر اتساقاً عملياتياً هي أن المنطقة اختيرت لأنها توفر عزلة صحراوية، وقت إنذار أطول، وقيمة رصدية على محور عبور صحراوي مهم، وأن طبيعة المهمة – إن صح وقوع الإنزال كما ورد – تبدو أقرب إلى استطلاع خاص أو زرع/تشغيل أصول مراقبة أو تشويش منها إلى عملية احتلال موضعي أو إنزال قتالي واسع.
أما المؤشر الأخطر في الملف كله، فهو ليس فقط من نفذ الإنزال، بل أن القوة كانت واثقة بما يكفي لإطلاق النار ثم الانسحاب جواً، ما يعني أنها دخلت وهي تعتقد أن لديها تفوقاً في السرعة والمعلومة والانسحاب.
خلاصة
إن اختيار صحراء النجف–النخيب لأي مهمة خاصة محتملة ليس اختياراً اعتباطياً، بل ينسجم تماماً مع منطق العمليات الخاصة:
أرض مفتوحة، سكان أقل، رصد أصعب، انسحاب أسرع، وقيمة عالية لأي عمل مراقبة أو حرب إلكترونية أو تحضير مسرح عمليات.
ولهذا فإن حادثة النجف يجب ألا تُقرأ فقط كسؤال:
من أطلق النار؟
بل كسؤال أخطر:
هل دخل العراق فعلاً مرحلة استخدام صحرائه كمنصة عمليات سرية بين القوى الإقليمية والدولية؟








