وكالات – وكالة حرية | الخميس 12 شباط 2026
تعكس توصيات “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” بشأن التعامل مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في العراق توجهاً داخل بعض الدوائر الأميركية نحو إعادة تعريف وظيفة الوجود العسكري الأميركي في البلاد، من مهمة دعم واستشارة إلى دور ردعي–استباقي أكثر وضوحاً. هذه المقاربة تفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدودها، وتداعياتها على العراق والمنطقة.
أولاً: إعادة صياغة المهمة الأميركية
منذ هزيمة تنظيم “داعش” عسكرياً، دخل الوجود الأميركي في العراق مرحلة انتقالية، عنوانها “الدعم الاستشاري وبناء القدرات”. غير أن تنامي نفوذ الفصائل المسلحة، وتكرار الهجمات على المصالح والقواعد الأميركية، دفع بعض مراكز التفكير في واشنطن إلى الدعوة لتوسيع مفهوم الردع، عبر:
الإبقاء على وجود عسكري طويل الأمد
تنفيذ ضربات دقيقة ضد قادة الفصائل المصنّفين إرهابياً
توسيع العقوبات المالية لتشمل شبكات التمويل المرتبطة بها
هذا التحول يعني عملياً أن واشنطن قد تتجه إلى استراتيجية احتواء نشط داخل العراق، لا تكتفي بحماية قواتها، بل تسعى إلى تقليص نفوذ خصومها بصورة مباشرة.
ثانياً: معضلة السيادة العراقية
غير أن أي تصعيد أميركي يحمل في طياته إشكالية مركزية: سيادة الدولة العراقية. فتنفيذ ضربات داخل الأراضي العراقية، حتى وإن استند إلى تصنيفات أميركية، يضع الحكومة العراقية أمام حرج سياسي داخلي، خاصة في ظل مشاركة بعض الفصائل أو أجنحتها السياسية في العملية السياسية.
كما أن توسيع العقوبات ليشمل مؤسسات أو شخصيات رسمية قد يُفسر كضغط مباشر على بنية الدولة، لا على جماعات بعينها، ما قد يعمّق الانقسام الداخلي ويزيد الاستقطاب السياسي.
ثالثاً: هل الردع يمنع أم يوسّع المواجهة؟
تقوم التوصيات الأميركية على فرضية أن الضربات الدقيقة والعقوبات الموسعة ستؤدي إلى ردع الفصائل وتقليص قدرتها على الحركة. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الردع المتبادل قد يتحول سريعاً إلى حلقة تصعيد متدرج، خصوصاً إذا تداخلت الحسابات العراقية مع الصراع الأميركي–الإيراني الأوسع.
وفي حال شعرت الفصائل بأن وجودها مهدد استراتيجياً، فقد تلجأ إلى تصعيد غير مباشر، سواء عبر استهداف المصالح الأميركية، أو تحريك أوراق ضغط إقليمية، ما يوسّع نطاق التوتر.
رابعاً: البعد الإقليمي
لا يمكن فصل مستقبل الوجود الأميركي في العراق عن معادلة النفوذ الإيراني في المنطقة. فالعراق يمثل ساحة مركزية في توازن القوى بين واشنطن وطهران. أي تصعيد أميركي داخله سيُقرأ إيرانياً باعتباره جزءاً من سياسة احتواء أوسع، ما قد يدفع إلى إعادة تفعيل ساحات أخرى للضغط.
في المقابل، ترى واشنطن أن الانسحاب أو تقليص الدور سيُفسح المجال أمام إيران لترسيخ نفوذها، ويؤثر على أمن شركائها الإقليميين.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
سيناريو الاحتواء المنضبط:
استمرار الوجود الأميركي مع ضربات محدودة وردود محسوبة، دون انزلاق إلى مواجهة واسعة.
سيناريو التصعيد المتدرج:
توسيع دائرة الاستهداف والعقوبات، يقابله رد غير مباشر، ما يخلق بيئة أمنية هشّة وطويلة الأمد.
سيناريو إعادة التفاوض:
استخدام الضغط العسكري والمالي كورقة لدفع بغداد إلى إعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل، وضبط سلاحها ضمن أطر الدولة.
سيناريو الانسحاب المشروط:
تقليص تدريجي للوجود مقابل ترتيبات أمنية وضمانات سياسية، وهو خيار يبدو حالياً الأقل ترجيحاً وفق مؤشرات الخطاب الأميركي.
الخلاصة
مستقبل الوجود الأميركي في العراق يتجه نحو مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الردع المركّب: عسكرياً عبر الضربات الدقيقة، ومالياً عبر العقوبات، وسياسياً عبر الضغط لإعادة تشكيل المشهد الانتخابي. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بقدرة واشنطن على تحقيق توازن دقيق بين مواجهة النفوذ الإيراني، وعدم دفع العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة جديدة.
فالعراق اليوم ليس مجرد ساحة نفوذ، بل دولة تحاول إعادة بناء مؤسساتها وسط توازنات معقدة. وأي خلل في إدارة هذا الملف قد يحوّل استراتيجية الاحتواء إلى عامل عدم استقرار طويل الأمد في قلب الشرق الأوسط.







