وكالة حرية – 10 شباط 2026
نرمين عثمان
منذ متى تحوّل الإيمان إلى بطاقة عضوية، والجنة إلى مكافأة حصرية، والنار إلى سلاح يُشهر في وجه المخالف؟
من أنتم حتى تنصّبوا أنفسكم وكلاء عن الله، تحكمون على القلوب، وتفتّشون في النيّات، وتوزّعون صكوك الغفران وكأنها ملك أيديكم؟
الدين، في جوهره، علاقة بين الإنسان وربه، لا يطّلع على حقيقتها إلا الله. لكن بعض الناس و الفئات اختصروا هذه العلاقة في مظاهر، وشعارات، وانتماءات، ثم أقاموا محاكم تفتيش حديثة،هذا مؤمن، ذاك مبتدع، هذا في الجنة، وذاك في النار، بلا تردّد، وبلا خشية من الحساب، كأن الله كلفكم بتوزيع صكوك الغفران و المعاقبة و العقاب.
الغريب أن أكثر من يتحدثون باسم الجنة، هم أكثر الناس قسوة، وأقلهم رحمة. يرفعون راية “الحق”، لكنهم يسقطون أبسط القيم (التواضع، والعدل، وحسن الظن). ينسون أن الله لم يكلّفهم بالحكم على الناس، بل كلّفهم بأن يكونوا شهداء بالحق على أنفسهم أولًا و اخيراً.
أي إيمان هذا الذي يضيق بالاختلاف؟
وأي يقين ذاك الذي يحتاج إلى إقصاء الآخرين كي يثبت وجوده؟
لو كانت الجنة تُنال بالادّعاء، لدخلها أكثر المتعصّبين. ولو كانت تُمنح بالصوت الأعلى، لكان الصراخ عبادة. لكن الحقيقة أن الجنة وعد إلهي، لا يملكه شيخ، ولا جماعة، ولا مذهب. وعدٌ مرتبط بالصدق، لا بالشعارات، وبالعدل، لا بالتصنيف.
حين تقول لأخيك: “أنت في النار”، تذكّر أنك بذلك تزعم علم الغيب، وتجلس (من حيث لا تشعر ) في موضع لم يجعلك الله فيه ولم يكلفك به.
وحين تحتكر الجنة لنفسك أو لاتباعك و جمعاتك ، فربما أول ما تخسره هو معناها.
الدين لم يأتِ ليجعلنا قضاة على الناس، بل ليجعلنا اكثر إنسانية و أرحم، أصدق، وأكثر خوفًا من الظلم.
فإن لم يزِدك إيمانك تواضعًا، فراجعه.
وإن لم يعلّمك رحمة، فاسأل نفسك: أي إله هذا الذي تعبد؟لان الله محبة و رحمة للعالمين .
في النهاية، الجنة ليست ملكًا لأحد…
والحساب ليس بأيدينا…
والله أعلم بالسرائر







