حرية | الجمعة 20 آذار 2026 إعداد: قسم الاخبار – القسم الاقتصادي
دخلت العمليات العسكرية في الشرق الأوسط مرحلة عملياتية جديدة تُعد الأخطر منذ بدء التصعيد الأخير، مع انتقال واضح من استهداف الأهداف التكتيكية إلى ضرب البنية التحتية الحيوية للطاقة، في تطور يعكس تحولاً في عقيدة الاشتباك لدى أطراف الصراع، ويؤشر إلى اعتماد نمط الحرب الاقتصادية–العسكرية المركبة.
فبعد نحو عشرين يوماً من المواجهة بين إيران والتحالف الأميركي–الإسرائيلي، اتجهت الضربات نحو منشآت النفط والغاز ومراكز التكرير والتصدير، في محاولة لإحداث تأثير استراتيجي يتجاوز الميدان العسكري إلى عمق الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
المشهد العملياتي: تكتيك الاستهداف العميق
تشير المعطيات الميدانية إلى اعتماد نمط عمليات قائم على:
الضربات بعيدة المدى باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة
اختيار أهداف عالية القيمة (High Value Targets) مثل المصافي ومراكز التسييل
تكرار الضربات على نفس الهدف لشل القدرة التشغيلية
وقد شمل الاستهداف:
10 منشآت طاقة رئيسية في المنطقة
بينها 4 أهداف داخل العراق
إضافة إلى مواقع استراتيجية في السعودية، الكويت، الإمارات، وقطر
محاور العمليات: توزيع جغرافي مدروس
1. المحور الشمالي (العراق)
حقل مجنون – البصرة: استهداف برج الاتصالات ومواقع دعم لوجستي
حقل الرميلة: ضربة مباشرة أدت إلى اندلاع حريق
البرجسية: سقوط مسيّرة قرب مجمع شركات نفطية
أربيل – مصفاة لاناز: هجوم أدى إلى حرائق كثيفة
👉 الهدف العملياتي:
إرباك الإنتاج النفطي وخلق ضغط داخلي على الحكومة العراقية
2. المحور الغربي (السعودية والبحر الأحمر)
مصفاة ينبع (SAMREF): استهداف عبر طائرات مسيّرة
رأس تنورة: ضرب منشآت تصدير رئيسية
الهدف:
تعطيل سلاسل التكرير والتصدير نحو الأسواق العالمية
3. المحور الجنوبي (الخليج)
الكويت (الأحمدي – ميناء عبد الله)
الإمارات (الرويس)
قطر (رأس لفان)
أخطر الأهداف:
رأس لفان، كونه أكبر مركز لتسييل الغاز في العالم
الهدف العملياتي:
ضرب إمدادات الغاز العالمية وخلق صدمة في السوق الدولي
4. المحور البحري (خطوط الإمداد)
استهداف أو تهديد ناقلات النفط
امتداد العمليات من البصرة إلى مضيق هرمز
الهدف:
رفع كلفة النقل والتأمين وتهديد أمن الملاحة
تحليل عسكري: طبيعة الحرب الجديدة
1. الانتقال إلى “الحرب غير المتكافئة المتقدمة”
تعتمد إيران على:
الطائرات المسيّرة
الصواريخ منخفضة الكلفة نسبياً
الضربات الدقيقة
في مواجهة:
تفوق جوي تقليدي للتحالف
النتيجة:
خلق توازن ردع عبر تكلفة منخفضة وتأثير عالي
2. ضرب العمق بدلاً من الجبهة
العمليات تستهدف:
الاقتصاد
الطاقة
البنية التحتية
بدلاً من:
المواجهة المباشرة مع القوات العسكرية
هذا يعكس تحولاً إلى حرب استنزاف استراتيجية
3. توسيع ساحة المعركة
الضربات طالت:
دول غير مشاركة مباشرة
منشآت مدنية–اقتصادية
ما يعني:
تحول الصراع إلى حرب إقليمية متعددة المسارح
تقدير موقف عسكري
القدرات الإيرانية
قدرة عالية على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى
انتشار جغرافي لأدوات التنفيذ (وكلاء/منصات متعددة)
مرونة تكتيكية في اختيار الأهداف
قدرات التحالف
تفوق جوي واستخباري
قدرة على الضرب العميق داخل إيران
أنظمة دفاع جوي متقدمة
السيناريوهات العملياتية القادمة
1. تصعيد محدود (الأرجح حالياً)
استمرار الضربات على منشآت الطاقة
بقاء الصراع ضمن سقف محسوب
2. حرب بحرية مفتوحة
استهداف مكثف للناقلات
تهديد مباشر لمضيق هرمز
3. توسع شامل للصراع
دخول قوات إضافية
ضربات على بنى تحتية أوسع
احتمال تدخل دول جديدة
دلالات عسكرية
منشآت الطاقة أصبحت أهدافاً عسكرية من الدرجة الأولى
الحرب تحولت إلى صراع على مراكز الثقل الاقتصادي
الكلفة الاستراتيجية لم تعد تُقاس بالخسائر البشرية فقط، بل بتعطيل الاقتصاد
ما يجري اليوم يمثل تحولاً عميقاً في طبيعة الحروب في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الجبهات هي خطوط التماس التقليدية، بل أصبحت المصافي وخطوط الأنابيب والموانئ هي أهداف المعركة.
إنها حرب على العمق الاقتصادي، تُدار بأدوات عسكرية ذكية، وتُقاس نتائجها بتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، لا بعدد المواقع التي يتم السيطرة عليها.
وفي ظل استمرار هذا النمط العملياتي، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة يكون فيها الأمن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الأمن العسكري.







