أحمد الحمداني
13/6/2025
في ظل احتدام التوترات الإقليمية، ووسط تعقيدات المشهد الدولي، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة، لا طرفًا فاعلًا فيها، بل ساحة مفتوحة أمام التدخلات والانتهاكات، خاصة في ملف أمنه الجوي. وبينما كان يُفترض أن تكون الأجواء العراقية محمية بموجب الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها “اتفاق الإطار الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة، فإن الواقع المؤلم يقول إن سماء العراق تُخترق يوميًا، دون تنسيق، وأحيانًا دون علم أو إذن من الدولة العراقية.
هذا الانفلات الجوي ليس مجرد خرق لسيادة الدولة، بل هو أيضًا إضرار مباشر بمصالحها الاقتصادية. فقد تكبد العراق خسائر يومية بسبب توقف الطيران المدني، وتجميد عمليات الترانزيت، وتراجع استخدام الأجواء العراقية كممر آمن لحركة الملاحة الدولية، مما حرم الخزينة من عائدات ضخمة في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات مالية مستمرة.
إن استمرار هذه الخروقات دون مساءلة أو مراجعة للاتفاقيات يُشكل إخلالًا جسيمًا بالالتزامات الأمريكية تجاه العراق. وإذا كانت الولايات المتحدة تَعتبر نفسها شريكًا استراتيجيًا، فعليها أن تتحمل مسؤولياتها — ماديًا وسياسيًا — عن النتائج المباشرة لهذه الانتهاكات. فلا يكفي التحدث عن الشراكة، بينما تُترك الأجواء العراقية مشرّعة أمام طائرات الاستطلاع والهجمات غير المعلنة.
لكن المسؤولية لا تقع فقط على الطرف الأمريكي. فالعراق، رغم ما مر به من أزمات، لا يزال يمتلك من المقومات ما يؤهله لحماية سيادته إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الشعبي. لقد أثبت العراقيون في أكثر من محطة أنهم مستعدون للدفاع عن وطنهم متى ما تطلب الأمر، وأن الفداء ليس غريبًا على هذا الشعب، من ساحات المواجهة ضد الإرهاب إلى الاستجابة التاريخية لفتوى الدفاع الكفائي.
إن القوة العراقية الحقيقية لا تكمن فقط في العتاد، بل في الروح الوطنية التي لا تقبل الذل أو الخضوع. ومع وجود مؤسسة عسكرية وأمنية، إلى جانب قوى شعبية أثبتت انضباطها وولاءها للدولة، يمكن للعراق أن يُعيد ترتيب أوراقه، ويعيد بناء منظومته الدفاعية، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي، على أسس حديثة وسيادية.
وفي المقابل، فإن الدولة بحاجة إلى دعم شعبي وسياسي شامل. فاستعادة السيادة لا تتم عبر الشعارات، بل عبر توحيد الصف الداخلي، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات دولته، والتفاف الجميع حول مشروع وطني جامع يضع مصلحة العراق فوق أي اعتبار.
على الشركاء الإقليميين والدوليين أن يدركوا أن العراق ليس ساحة فارغة، ولا دولة تابعة، بل بلدٌ محوري يمتلك موقعًا استراتيجيًا وثقلًا بشريًا وتاريخيًا لا يمكن تجاهله. وإن احترام سيادته هو الطريق الأضمن لبناء علاقات مستقرة ومصالح متبادلة، لا مجرد تفاهمات وقتية أو تدخلات خفية.
إن الوقت قد حان لتصحيح هذا المسار، ليس بالقطيعة أو التصعيد، بل عبر خطاب دبلوماسي واضح، ومواقف وطنية ثابتة، ومطالبة رسمية بحقوق العراق، سواء كانت اقتصادية أو سيادية. فليس من المقبول أن تظل سماء العراق بلا حارس، ولا أن تُترك مصالحه رهينة لحسابات الآخرين.
السيادة ليست شعارًا، بل حقٌ مكتسبٌ، لا يُمنح، ولا يُفاوض عليه.







