وكالة حرية | الخميس 16 تشرين الاول 2025
في توقيت بالغ الحساسية يسبق الانتخابات التشريعية المقررة نهاية العام، كشف تقرير صادر عن المعهد الأوروبي للدراسات حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن الولايات المتحدة تدرس خيار عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات العراقية، ورفض التعاون مع أي حكومة تضم فصائل مسلحة أو شخصيات مرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب التقرير، فإن هذا الموقف الأمريكي المحتمل يأتي في إطار سياسة “الضغط الأقصى” التي تعتمدها واشنطن منذ عام 2024 بهدف تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، عبر مسارين متوازيين:
المسار السياسي – الانتخابي، الذي يركز على منع هيمنة القوى المتحالفة مع طهران داخل البرلمان المقبل.
المسار التشريعي – الأمني، الذي يسعى إلى تعطيل أي مساعٍ لتوسيع صلاحيات هيئة الحشد الشعبي أو تحويلها إلى مؤسسة عسكرية موازية للجيش النظامي.
وأشار التقرير إلى أن مشروع تعديل قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، الذي كان مطروحًا عام 2024 لتوسيع صلاحيات الهيئة وإنشاء مديريات وأكاديمية عسكرية خاصة بها، تم تأجيله في آب الماضي بضغطٍ أمريكي مباشر، بعد اعتراضات من كتل كردية وسنية وانقسام داخل المكون الشيعي نفسه.
ووفقاً للتقرير، لوّحت واشنطن بفرض عقوبات مالية وتعليق التعاون الأمني وسحب قواتها المتبقية (نحو 2500 جندي) في حال تمرير القانون بصيغته المقترحة، معتبرة أن ذلك قد يحوّل الحشد الشعبي إلى “نموذجٍ موازٍ للحرس الثوري الإيراني”.
إجراءات انتخابية تحت المجهر الدولي
كما كشف التقرير أن المحكمة الاتحادية العليا والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة الأحزاب تلقت شكاوى من منظمات مدنية تطالب باستبعاد 12 تشكيلًا انتخابيًا، استنادًا إلى الدستور وقانون الأحزاب رقم (36) لسنة 2015، الذي يحظر الجمع بين النشاط السياسي والعسكري.
الربيعي: الحديث عن عدم الاعتراف مبالغ فيه
النائب السابق والباحث السياسي أيوب الربيعي قلّل من جدية الطرح الأمريكي، معتبرًا أن “الحديث عن احتمال عدم الاعتراف بالانتخابات العراقية مبالغ فيه وغير واقعي”، مضيفًا أن التجربة الديمقراطية في العراق “تُعد من أكثر التجارب شفافية وتنظيمًا في المنطقة”.
وأوضح أن “الحشد الشعبي كمؤسسة عسكرية وطنية لا يشارك في الانتخابات ككيان سياسي، بل لأفراده الحق بالتصويت ضمن الاقتراع الخاص”، مشددًا على أن “تشكيل الحكومة المقبلة سيبقى قرارًا عراقيًا خالصًا تحدده صناديق الاقتراع لا رغبات الخارج”.
صراع الإرادة بين الداخل والخارج
ويخلص التقرير إلى أن الانتخابات المقبلة لم تعد مجرّد استحقاق دستوري، بل تحوّلت إلى ساحة اختبار لإرادة الدولة العراقية بين ضغوط الخارج وتوازنات الداخل.
فبينما تحاول واشنطن إعادة رسم المشهد السياسي عبر أدوات الضغط والتهديد، تصرّ القوى الوطنية على أن الشرعية تُستمد من الصندوق لا من التصنيف، ومن الإرادة الوطنية لا من قوائم العقوبات.
ويرى محللون أن الرهان الأمريكي على تقييد الحشد الشعبي سياسيًا يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة مع بغداد وفق معادلة “شريك منضبط لا مستقل”، في حين ترى القوى العراقية أن أي تدخل خارجي في نتائج الانتخابات يعدّ مساسًا بالسيادة الوطنية.
وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار محاولات واشنطن ربط الإصلاح السياسي بملفات أمنية واقتصادية، يبدو أن الاختبار الحقيقي للعراق لن يكون في صناديق الاقتراع وحدها، بل في مرحلة ما بعد الانتخابات:
هل سيتمكن النظام السياسي العراقي من الموازنة بين ضرورات التحالف وضوابط الاستقلال؟ أم أن الصراع بين النفوذ والسيادة سيتجدّد بثوبٍ انتخابي جديد؟







