وكالة حرية | 8 شباط 2026
أحمد الحمداني
ضباب كثيف يهبط ببطء كأنه قرارٌ مؤجَّل، وهواءٌ عاصف يطرق زجاج النوافذ بإصرار يشبه طرق الأسئلة في الرأس، ومطر يكتب على الشارع إيقاعه الحزين، لا ليغسل شيئًا بل ليذكّرنا أن البلل واحد مهما اختلفت المظلات.
شموع قليلة تضيء الغرفة بنور متردّد، تخاف أن تكتمل، وباكيت سكائر على الطاولة كأنه شاهدٌ صامت على طول الانتظار، يعرف أننا سنشعل سيجارةً أخرى بدل أن نشعل حلًّا.
في أذني أغنية رائد جورج «لا ترحلين»، لا تُسمع بقدر ما تُحَسّ، تتسلّل إلى الروح قبل الأذن، تمتد بيننا مثل خيط واهن من ذاكرة لا تريد أن تنقطع، ولا تملك الشجاعة لتبقى.
زهر الكاردينيا يملأ المكان، وعطر الشبوي المتسلّل من الحديقة عبر الشباك المفتوح يختلط بأنفاس الليل، برائحة بلدٍ عاش طويلًا على الأمل حتى تعب منه.
ننظر إلى بعضنا بلا كلام، بعينين تعرفان أكثر مما تحتمل الجملة الواحدة، وأكثر مما يحتمله الصمت.
نحن وحدنا… أو هكذا نُقنع أنفسنا، في ليلة دامسة نترقّب فيها الحدث، بينما الأخبار تتداول ببرود قاتل:
إغلاقٌ للأسواق، احتجاجات على الضرائب والكمارك، وطنٌ يتنفس بصعوبة كمن يركض منذ سنوات ولا يصل أبدًا.
تلتفت إليّ، بشفاه ترتجف، وللحظة ظننتها تريد أن تُقبّلني، فابتسمت وقلت لنفسي: ترتجف لا من البرد بل من الشوق.
لكنها تقطع وهمي بسؤال مباشر موجع:
كل هذا يحدث، وليس لدينا رئيس؟
ثم تضيف، بنبرة تتأرجح بين العتاب والسخرية:
ألستَ ممن يقولون إن لكل شيء حلًّا؟
أم أنك فقط وُجدتَ للتنظير؟
أبتسم… لا لأن السؤال بسيط، بل لأنه مكشوف حدّ الألم.
أحسر كأسي وكأسها، كمن يرفع راية هدنة لا يعرف مع من ولا إلى متى، وأقول لها بهدوء يشبه الاعتراف المتأخر:
نحن في بلد الصامتين،
الحائرين،
الناقمين،
الجالسين طويلًا بلا حراك،
نراقب الانهيار وكأنه فيلم نعرف نهايته ولا نغادر الصالة.
أقوى ما نملكه أننا نتحدث في السوشيل ميديا، نكتب غضبنا، نشارك خيبتنا، نضع الإعجابات على أوجاع بعضنا، ثم نعود كما كنا، أكثر فراغًا وأقل أملًا.
نطفئ أغنية جميلة، نكسر كأسين، فتتحول ليلتنا من حلم قبلة مؤجّلة إلى ليلة طويلة من الصراع، تشبه برلمانًا عاجزًا عن عقد جلسة، ولا يملك النصاب ليصوّت حتى على اسمه.
نضحك للحظة، ضحكة قصيرة ومرة، ثم يسقط الصمت بيننا أثقل من الكلام، صمت يشبه بيانًا رسميًا لا يقول شيئًا.
تنتهي الليلة بلا نهاية حقيقية، ويذهب كل واحد منا إلى «حزب» للتفاوض… عفوًا، إلى مخدعه للنوم، كالعادة، نؤجّل الأسئلة إلى صباح آخر لا نعرف متى يأتي، ولا إن كان سيأتي أصلًا.
أطفئ الشمعة الأخيرة، وأتمتم في داخلي، لا لها فقط بل لنفسي أيضًا:
إنه وطني يا جميلتي…
وما أقسى أن تحب وطنًا بلا قُبلة،
وبلا رئيس،
ولا تجد له حلًّا
سوى أن تحلم به في الليل،
وتستيقظ عليه في الصباح، على رائحة الكبريت لا على عطر الشبوي… كما كل صباح.







