وكالة حرية | الاثنين 25 آب 2025
لبنى الهاشمي
لقد اهتمت الثورة المعرفية بالتعليم من حيث الحرفية والصنعة والدربة على تخصّص بعينه، ومن عيوب هذا التوجّه الذي بات يلفت الانتباه عدم مسايرة نظام التعليم بالثقافة والمنطق والبلاغة والفلسفة، وتوجّه التعليم دونما ثقافة يجعل الإنسان خالي الوفاض من المعاني الإنسانية الروحية والفكرية، أو التمسك بأسس العقلانية والبرهان، وتعزيز قيم التسامح والانفتاح، يتخرّج أنصاف متعلمين يحملون درجات عالية من الشهادات، ويجيدون تخصّصاتهم بحرفيّة وجودة، لكن أفكارهم خاوية وثقافتهم ضحلة فارغة، يفتقرون إلى الذوق السليم في شخصياتهم، ومن ثمّ يؤثر ذلك سلباً في الذوق العام، ولا يرقى به إلى أن يحمي نفسه من ضلالات التشدّد والعنف أو الاختراق الثقافي، لهذا فكثير من المتطرّفين منهم- مهندس ودكتور وعالم ومتخصص- وقعوا فريسة لبغاة الإرهاب وهم من أرباب العلم والشهادات العالية، لأن هناك خواء وفراغاً حاداً يعاني منه هؤلاء الشباب، ولا يوجد لديهم الحذق والوعي والنباهة بحيث تحميهم من سطوة وتأثير التيارات المعادية أو الموالية لفئة بعينها، لكن لماذا حملة الشهادات كانوا فريسة لبغاة التطرف؟ لأن هنالك آليات عمل غائبة في التعليم، عمّقت الفجوة في عدم خلق ذائقة إنسانية سليمة -بوصلة- تؤصل فيهم التوجه الصحيح.
ما الذوق السليم وتنميته في الشخصية؟ هو ملكة تمكّن الإنسان من التمييز بين الحسن والقبيح، وتذوق الجمال والإحساس به، وهو قدرة قابلة للتحسين بالممارسة وبالدربة والتربية، تنمية الذائقة الإنسانية تبدأ من خلال تربية أخلاقية وعلمية وثقافية، فالذائقة عموماً للشعوب هي المرآة التي تعكس أصالة المجتمع ورقيّه وتحضّره، سواء بعمقها المعرفي أو الفكري، بغية الوصول إلى إنسان متزن في أفكاره وسلوكه.
هناك منظومة تعليمية عربية بالية تقوم على النقل لا العقل، وعلى عدم الربط بين المعلوم، أو استنتاج معلومة مضافة، فالمراحل الهامة لتنضج الذائقة لا بد من التدريس الصحيح القائم على النقاش والحوار والاحترام بين المدرس والتلاميذ، وتعزيز جوانب القراءة في المكتبات، والإذاعة وتعزيز المعاني الخلاقة، واتباع الأسلوب التربوي الحكيم في الإدارة المدرسية، وإرساء مفهوم تربوي يرفع مفهوم البلاغة اللغوية والقصص الملهمة وتلمّس الحس الفني للأشياء وتذوق معاني الجمال، كلها أساليب تثري وتهذّب الفكر وترقى بالتجربة التربوية والتعليمية بحيث تكون مشبعة بالكلمة والإحساس والقيمة بالأشياء.
إن وراء واجهة البناء العلمي والتقني أفكاراً سطحية تسيطر على الشباب، وقشوراً من المعرفة، وهيمنة إعلامية ترسخ للتفاهة والابتذال، وهوية عربية مزدوجة، حيث لا تشكل اللغة العربية ركائز هامة للناشئة، إضافة إلى أن آلية العمل غائبة عن المنظومة الثقافية الفكرية الرصينة، التي تهدف إلى أن يتحوّل توجهنا نحو التقدم التكنولوجي من مستهلكين إلى مبتكرين وفاعلين.
الذائقة الناضجة هي التي تمنح الشباب آليات نقدية رصينة، وكماً معرفياً وفكرياً، لإنتاج مشروعهم الثقافي وطريقة تفكيرهم وتصورهم للحياة، ومجتمع دون ثقافة هو مجتمع يهمش ويشوّه الذائقة الإنسانية، ولن تتعدّى حدود ذائقته الثقافة الإعلامية الهشة، والواقع الفكري البائس، وسهولة الاختراق الثقافي.
لهذا لا نستغرب عندما نشاهد اختلالاً في ذائقة الإنسان العصري العربي من حيث الذائقة الأدبية والفنية والجمالية، والتواصل الاجتماعي بكل أنواعه شاهد على حجم المأساة.







