حرية
في لحظة دولية معقدة تتقاطع فيها تحديات الأمن مع أزمات الإنسان، برز العراق ليس كدولة خارجة من حرب فحسب، بل كفاعل استراتيجي يقود أحد أعقد الملفات العالمية: تفكيك إرث تنظيم داعش. لم يعد العراق مجرد ساحة صراع، بل تحوّل إلى نموذج تطبيقي في إدارة ملف إعادة مواطنيه من مخيمات الاحتجاز وإعادة دمجهم ضمن المجتمع، في تجربة وصفت دولياً بأنها “إطار متكامل يمكن أن تحتذي به الدول الأخرى”.
كشف تقرير دولي صادر عن مؤتمر رفيع المستوى عُقد في الأمم المتحدة بتاريخ 26 أيلول 2025، أن العراق نجح في تنفيذ واحدة من أوسع عمليات إعادة مواطنيه من مخيمات شمال شرق سوريا، وفي مقدمتها مخيم الهول، عبر نموذج وطني متكامل يجمع بين الأمن والمعالجة الإنسانية والقانونية والاجتماعية .
وبحسب التقرير، تمكن العراق من:
إعادة 4,915 عائلة (18,830 شخصاً) من المخيمات.
دمج 3,407 عائلة (12,557 شخصاً) داخل المجتمع العراقي.
استلام 3,206 محتجزين من مناطق النزاع.
تنفيذ برنامج وطني شامل يجمع بين الملاحقة القضائية، التأهيل، وإعادة الإدماج (PRR).
لماذا يُعد هذا إنجازاً استثنائياً؟
مخيم الهول لم يكن مجرد تجمع للنازحين، بل يمثل أحد أخطر بؤر التهديد الأمني العالمي، حيث يضم أكثر من 30 ألف شخص من أكثر من 60 دولة، أغلبهم نساء وأطفال مرتبطون بعناصر داعش .
هذا الملف ظل لسنوات عبئاً دولياً مؤجلاً، إذ ترددت معظم الدول في استعادة مواطنيها، ما جعل العراق يتقدم عملياً ليكون أول من يضع نموذجاً تنفيذياً شاملاً، رغم كونه الدولة الأكثر تضرراً من الإرهاب.
التحليل الأمني والاستراتيجي
- تحويل التهديد إلى فرصة استراتيجية
العراق لم يتعامل مع الملف كعبء، بل كفرصة لإغلاق أحد أهم منابع إعادة إنتاج التطرف. فالمخيمات، وفق التوصيف الدولي، تشكل “حاضنات محتملة للتطرف وإعادة التجنيد” إذا تُركت دون معالجة. - بناء نموذج متعدد الأبعاد
الإنجاز العراقي لم يكن أمنياً فقط، بل اعتمد على خمسة محاور رئيسية:
التدقيق الأمني والاستخباري
النقل المنظم والآمن
التأهيل النفسي والاجتماعي
المعالجة القانونية والقضائية
الإدماج المجتمعي طويل الأمد
هذا التكامل جعل التجربة العراقية “نموذجاً مؤسسياً” وليس إجراءً مؤقتاً.
- نجاح بدون ارتدادات أمنية
أحد أهم مؤشرات النجاح أن العوائل التي أُعيد دمجها لم تُسجل عليها خروقات أمنية تُذكر، وهو ما يعكس دقة آليات الفرز والتأهيل. - تغيير المزاج المجتمعي
في البداية، واجه المشروع رفضاً شعبياً، لكن مع نجاح التجربة، تحوّل القلق إلى قبول تدريجي، ما يعكس قدرة الدولة على إدارة الرأي العام في ملفات حساسة. - دور العراق في إعادة تشكيل الأمن الإقليمي
من خلال هذا الملف، لم يعد العراق متلقياً للتهديد، بل شريكاً في صناعة الأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع دعوته لتقاسم المسؤولية مع المجتمع الدولي.
البعد الدولي: إشادة وتحول في النظرة للعراق
التقرير أشار إلى إشادة واسعة بدور العراق، حيث اعتبرته الأمم المتحدة:
نموذجاً في القيادة الدولية في ملف مكافحة الإرهاب.
مثالاً على التكامل بين الأمن وحقوق الإنسان.
شريكاً رئيسياً في منع عودة داعش.
كما دعا المجتمع الدولي إلى الاقتداء بالتجربة العراقية وتسريع عمليات إعادة مواطنيهم.
التحديات المستمرة
رغم النجاح، لا تزال هناك تحديات:
تردد دول عديدة في استعادة مواطنيها
مخاطر إعادة التطرف لدى بعض الحالات
الحاجة إلى تمويل دولي مستدام
التعقيدات القانونية المرتبطة بالجنسية والهوية
ما أنجزه العراق في هذا الملف يتجاوز كونه إجراءً حكومياً، بل يمثل تحولاً استراتيجياً في مفهوم إدارة ما بعد الإرهاب. فالدولة التي واجهت أخطر تنظيم في العالم، لم تكتفِ بهزيمته عسكرياً، بل انتقلت إلى تفكيك جذوره الاجتماعية والفكرية.
هذا الإنجاز يضع العراق أمام موقع جديد:
ليس فقط دولة خرجت من الحرب، بل دولة تصنع نموذجاً عالمياً في إعادة الاستقرار ومنع عودة الفوضى.
بين أنقاض الحرب، يكتب العراق فصلاً مختلفاً: كيف تتحول المعركة من مواجهة السلاح إلى إعادة بناء الإنسان. وفي عالم يتردد، كان العراق أول من تحرك… وربما أول من فهم أن نهاية الإرهاب لا تكون في الميدان فقط، بل في المجتمع أيضاً.







