وكالة حرية | الاثنين 25 آب 2025
بقلم: أحمد الحمداني
الديمقراطية العراقية بين وهم الشعارات وحقيقة البناء
منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، والعراق يعيش دوامة السباق الانتخابي، صراع الأحزاب على السلطة، تنافس على البقاء بأي ثمن، واندفاع غير محسوب نحو مكاسب شخصية وحزبية، بينما يبقى الوطن في الخلفية شاهداً صامتاً على هذا الجدل العقيم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل تحوّلت الانتخابات في العراق إلى نعمة كما وُعدنا بها في بدايات التغيير، أم إلى نقمة أرهقتنا بالانقسام والتبعية والفساد؟
المفارقة المؤلمة أن العراقيين، بعد أكثر من عقدين من التحول السياسي، ما زالوا يتعاملون مع الديمقراطية وكأنها خيار ثانوي، لا قناعة راسخة.
نرفع شعارات الاستقلال والحرية، لكننا نقع سريعاً في فخ التبعية السياسية نصنع من بعض الرموز السياسية آلهة لا يجوز انتقادها، وكأن الوطن وحقوق الناس تأتي في المرتبة الثانية بعد قداسة الأشخاص.
لكن إذا نظرنا إلى تجارب الشعوب الأخرى، نجد أن النجاح ليس معجزة، بل ثمرة وعي سياسي وإرادة جماعية دول قريبة منّا مثل تركيا استطاعت خلال عقدين أن تتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية عبر الاستثمار في الصناعة والبنى التحتية. ماليزيا، وهي بلد متعدد الأعراق والأديان، تجاوزت أزماتها الداخلية لتصبح مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً في شرق آسيا بفضل سياسات رشيدة حتى رواندا، التي عانت حرباً أهلية دامية وإبادة جماعية، أعادت بناء نفسها لتغدو نموذجاً أفريقياً في الاستقرار والنمو، لأنها آمنت بالمصالحة وتفعيل القانون.
أما على المستوى العالمي، فقد أثبتت ألمانيا أنها قادرة على النهوض من تحت ركام الحرب العالمية الثانية لتصبح قوة اقتصادية كبرى و اليابان تجاوزت دمار القنابل النووية لتتحول إلى أيقونة للحداثة والتكنولوجيا والسويد صاغت نموذج دولة الرفاه التي تقوم على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.
ولا يمكن أن نغفل عن الثورة الفرنسية التي هزّت أوروبا وغيرت مفهوم السلطة والدولة، حين رفعت شعار الحرية والمساواة والأخوة، فكان تأثيرها عابراً للحدود، ألهم الشعوب وأعطى دفعة قوية لمفهوم الديمقراطية الحديثة. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت من الاستعمار البريطاني لم تبنِ نفسها بالشعارات، بل عبر مؤسسات قوية ودستور راسخ جعلها، خلال قرنين فقط، تتحول إلى قوة عظمى مؤثرة في العالم.
هذه التجارب القريبة والبعيدة، الأوروبية والآسيوية والأفريقية والأمريكية، تؤكد أن التأثير السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بالشعارات، بل بقدرة السياسي على تحويل الوعي الشعبي إلى مشروع وطني جامع.
وطننا لا يحتاج إلى المزيد من التدخل في شؤون الآخرين، ولا إلى صراعات شعاراتية تستهلك أعمارنا وطننا يحتاج إلى بناء، إلى استقرار، إلى أن نصنع جيلاً مختلفاً عنّا، جيلاً يقدّس العمل والقانون والعدالة، لا الأشخاص ولا الأصنام السياسية.
إن كان سباق الانتخابات حقاً نعمة، فعلينا أن نحوله إلى فرصة للبناء والتغيير، كما فعلت شعوب تجاوزت محنها، وأعادت رسم مستقبلها بإرادة جماعية. فالعراق يستحق أن يكون وطناً يليق بشعبه، لا مسرحاً دائمياً للجدل والخلاف.







