بقلم: د. هبة السامرائي
لم تعد المقارنة سلوكاً عابراً يحدث في نطاق ضيق كما في السابق، بل تحولت إلى حالة يومية مفتوحة لا تنتهي.
لم نعد نقارن أنفسنا بمن نعرفهم فقط، بل بآلاف الوجوه والحكايات التي تمر أمامنا خلال دقائق على منصات مثل Instagram وTikTok وFacebook.
في هذه المساحة الواسعة، لا نقارن واقعنا بواقع الآخرين كما هو، بل نقارن حياتنا الكاملة بلحظاتهم المنتقاة بعناية. تبدو المقارنة هنا غير عادلة منذ البداية، لكنها مع ذلك تتحول إلى مرجع داخلي نحاكم به أنفسنا دون أن نشعر.
في أصلها، لم تكن المقارنة سلوكاً سلبياً، بل هي جزء من طبيعة الإنسان كما يفسرها علم النفس عبر مفهوم
Social Comparison Theory
حيث يسعى الفرد إلى فهم ذاته من خلال الآخرين.
غير أن ما فعلته وسائل التواصل هو تضخيم هذا الميل إلى حدٍ يفوق طاقة الإنسان النفسية. فبدل أن نقيس أنفسنا ضمن دائرة محدودة، أصبحنا نقف أمام سيل لا ينتهي من الصور .. أجساد مثالية، علاقات تبدو خالية من التوتر، نجاحات سريعة، وأنماط حياة مصقولة بعناية.
ومع تكرار هذه الصور، تتسلل فكرة خفية إلى وعينا ..
هكذا يجب أن تكون الحياة!!!
في العلاقات الإنسانية، خصوصاً الزوجية والعاطفية، تتسلل هذه المقارنات بهدوء لكنها تترك أثراً عميقاً.
ما يُعرض من لحظات رومانسية وهدايا واستعراض للانسجام لا يعكس بالضرورة حقيقة العلاقة، لكنه يخلق معياراً جديداً يصعب تجاهله.
فجأة، تصبح العلاقة الواقعية، بكل ما فيها من بساطة وتعقيد، أقل مما “يُفترض” أن تكون عليه.
يبدأ التساؤل الداخلي بالظهور .. لماذا لا نعيش مثلهم؟ لماذا تبدو حياتنا عادية إلى هذا الحد؟ وهنا لا تنهار العلاقة بسبب خلل حقيقي، بل بسبب صورة مثالية لا وجود لها إلا في العرض.
أما في ما يتعلق بالشكل الخارجي، فإن التأثير يبدو أكثر وضوحاً وأشد قسوة. فالمعايير الجمالية التي تُعرض باستمرار ليست مجرد تفضيلات، بل نماذج شبه موحدة، غالباً ما تكون معدلة أو محسّنة بوسائل تقنية وتجميلية. ومع الوقت، يتغير تعريف “الطبيعي” في أذهاننا، ويصبح غير كافٍ.
لا يتوقف الأمر عند حدود عدم الرضا، بل يمتد إلى شعور خفي بالنقص، وربما إلى قلق اجتماعي دائم، وسعي مستمر لتعديل المظهر. والمفارقة أن الإنسان هنا لا يقارن نفسه بواقع الآخرين، بل بنسخ محسّنة منهم، ثم يشعر بالتقصير لأنه لا يشبهها.
وفي ميدان النجاح، تتخذ المقارنة شكلاً أكثر خداعاً، فوسائل التواصل لا تعرض الرحلة، بل لحظة الوصول. نرى المشروع الناجح، الإنجاز الكبير، التحول المفاجئ، لكننا لا نرى سنوات المحاولة، ولا الفشل، ولا التردد. يتكون انطباع غير دقيق بأن النجاح يجب أن يكون سريعاً، واضحاً، ومبهراً.
ومع هذا التصور، يبدأ شعور ثقيل بالتأخر، وكأن الجميع يتقدم بسرعة بينما نحن عالقون في مكاننا.
وقد يدفع هذا الشعور البعض إلى قرارات متسرعة، لا بدافع القناعة، بل بدافع اللحاق.
ومع تراكم هذه التأثيرات، يتغير معنى الطموح ذاته. لم يعد الطموح نابعاً من رغبة داخلية هادئة، بل أصبح في كثير من الأحيان استجابة لضغط خارجي غير معلن.
لم يعد السؤال ماذا أريد أنا؟ بل أين أقف مقارنة بالآخرين؟ وهنا يفقد الطموح طابعه الشخصي، ويتحول إلى سباق مفتوح لا يعرف خط نهاية، لأن معاييره تتغير باستمرار.
ورغم أن كثيرين يدركون أن ما يُعرض على هذه المنصات ليس الحقيقة الكاملة، إلا أن التأثير يستمر.
السبب لا يعود إلى السذاجة، بل إلى طبيعة العقل البشري نفسه، الذي يتعامل مع التكرار بوصفه دليلاً على الواقع. كلما تكررت الصور المثالية، ترسخت كمعيار ضمني، حتى وإن كنا نعرف في أعماقنا أنها منتقاة.
ومع ذلك، لا يكمن الحل في الانسحاب الكامل من هذا العالم، بل في إعادة تشكيل علاقتنا به. حين يدرك الإنسان أن ما يراه هو جزء من الصورة لا كلها، يبدأ في استعادة قدر من التوازن. وحين يعيد تعريف النجاح والرضا وفق ظروفه وقيمه، لا وفق ما يُعرض أمامه، يصبح أقل عرضة لهذا الاستنزاف النفسي. كما أن تقليل التعرض للمحتوى الذي يثير المقارنة السلبية ليس ضعفاً، بل وعياً بالنفس، تماماً كما أن العودة إلى الواقع القريب، بكل ما فيه من علاقات صادقة وإنجازات صغيرة، تعيد للإنسان إحساسه الحقيقي بالتقدم.
في النهاية، لم تصنع وسائل التواصل المقارنة، لكنها جعلتها أكثر حضوراً وضجيجاً.
ومع هذا الضجيج، أصبح من السهل أن نفقد صورتنا الحقيقية ونحن نحاول أن نلحق بصور الآخرين. لكن ما لا يُقال كثيراً هو أن لكل إنسان مساره الخاص، وإيقاعه المختلف، وأن الرضا ليس في الوصول إلى صورة مثالية، بل في التصالح مع واقع لا يحتاج أن يكون مثالياً ليكون كافياً …







