وكالة حرية | الاحد 14 ايلول 2025
علي حسين الدهلكي
يبدو إن المسارات التي سلكتها الطائرات الاسرائيلية لقصف الدوحة وحجم التواطئ الضمني الذي رافق العملية هو السؤال البالغ الاهمية والذي يقطع قلب الحقيقة .
فمسار الطائرات الاسرائيلية لم يكن ممكنا دون تخطيط دقيق وتنسيق مسبق يشير الى تواطئ مباشر أو غير مباشر من اطراف عربية ، وليس اعتمادا على الضوء الاخضر الامريكي فقط .
فالطائرات الاسرائيلية لم تكن لتمتلك عباءة الاخفاء التي تخولها الطيران لمسافة الاف الكيلو مترات فوق اراضي دول معادية أو محايدة تقليديا دون أن يتم رصدها أو اعتراضها .
وحتى يتحقق ذلك لابد ان نضع في حساباتنا سيناريوهين محتملين لمخطط مسار الطائرات الاسرائيلية تم من خلال احداهما تنفيذ الاعتداء على دولة قطر ، والنتيجة إن كلاهما كارثيا بنفس القدر .
السيناريو الاول : وهو الاكثر احتمالا حيث عمدت الطائرات الاسرائيلية الطيران عبر الاجواء العربية الصديقة وهذا هو السيناريو الاكثر إثارة للقلق لأنه يكشف عمق التطبيع الخفي والتعاون الامني الذي يتجاوز العلاقات العملية .
وفي هذا السيناريو كانت المسارات المحتملة للطيران الاسرائيلي ربما تمت بالشكل التالي .
أولا : المسار الجنوبي – وهو الاكثر أمنا للطائرات الاسرائيلية حيث تم الاقلاع من جنوب اسرائيل وعبور الاجواء الاردنية ثم الى شمال السعودية والانقضاض على الدوحة من الغرب وهذا المسار يعتمد على تنسيق مسبق وسري مع الرياض وعمان .
فالأردن بحكم حدودها الطويلة مع اسرائيل وعلاقتها الامنية الوثيقة غالبا ما تجبر على السماح لعبور الطائرات .
أما السعودية فسماحها بالعبور سيكون صفعة كبرى للموقف العربي الرسمي ويفتح بابا خطيرا للغاية في تأزيم العلاقات ما بين قطر والسعودية من جهة وما بين قطر ودول الخليج من جهة اخرى .
ثانيا : المسار الشمالي – وهو الاقل احتمالا ولكنه ممكن الحدوث هو عبور الطائرات الاسرائيلية عبر الاجواء السورية ومن ثم العراقية باتجاه السعودية ، وهذا اقل احتمالا لأنه اكثر خطورة على الطائرات الاسرائيلية خاصة مع وجود انظمة دفاع جوي وبيئة اكثر عدائية حتى لو كانت منقطعة ، فان حدث هذا فهو إهانة مباشرة وتحد صارخ لكل هذه الدول التي تظهر وكأنها غير قادرة حتى للدفاع عن اجوائها .
ثالثا : التغطية الالكترونية والحرب الالكترونية – استخدام الطائرات الامريكية أو السفن في المنطقة للتشويش على الرادارات العربية ، أو توفير غطاء الكتروني يخفي تحركات الطائرات الاسرائيلية وبقاء انظمة الدفاع الجوي على الاقل عمياء بشكل مريب .
السيناريو الثاني : الطيران البحري الطويل – وهو إحتمال ضعيف حيث تحلق الطائرات الاسرائيلية جنوبا فوق البحر الاحمر ثم الالتفاف حول اليمن والدخول الى المجال الجوي الخليجي فوق المياه الدولية ، وهذا مسار طويل جدا يتطلب التزود بالوقود جوا، كما يكشف طبيعة العملية المخطط لها ويجعل الطائرات عرضة للرصد من قبل قوى اقليمية اخرى ، وحتى في هذا السيناريو فان الاقتراب من الاجواء القطرية يتطلب الاقتراب من المجال الجوي السعودي أو البحريني أو الاماراتي مما يعني إن هذه الدول كانت على علم مسبق بالعملية ،أو إن الطائرات الاسرائيلية اخترقت اجوائها دون اذن منها وهو ما يعني عملا حربيا بحد ذاته .
أما الدور الامريكي ، فكان اكثر من مجرد تنسيق ، وهو هنا لم يكن مجرد اعطاء اشارة بالموافقة ، بل كان دورا تمكينيا مباشرا من خلال مشاركة المعلومة الاستخبارية مع الجانب الاسرائيلي وتقديم بيانات استخبارية لها بشكل دقيق يتضمن توقيتات مسار طيرانها بشكل آمن وتحديد مواقع الدفاعات الجوية العربية وافضل التوقيتات للاختراق .
كما لعبت الادارة الامريكية دور الوسيط السري للتحدث مع الحلفاء العرب مثل السعودية والاردن للضغط عليهم من اجل ترتيب تجاهل مرور الطائرات مقابل تعهدها ربما بمكافحة التهديدات الايرانية أو تقديم وعود سياسية تتعلق بمستقبل العلاقة مع تلك الدولتين .
ومن كل هذا نستنتج أن البعد السياسي والاستراتيجي المتمثل بالقدرة على الطيران عبر الاف الكيلو مترات فوق الاراضي العربية هو في حد ذاته يحمل رسائل سياسية مدمرة من اسرائيل وامريكا للدول العربية مفادها ” سيادتكم اسمية .. نحن نتحكم في اجوائكم .. يمكننا اختراقها متى شئنا . وبموافقة بعضكم أو صمته ” .
أما لقطر فالرسالة كانت ” فحتى كونك حليفا لأمريكا وانك تستضيف اكبر قاعدة امريكية في المنطقة فان كل هذا لا يحميك .. وانت في متناول ايدينا ” .
ولذلك يعد الاعتراف بان الطائرات الاسرائيلية حلقت في اجواء دول عربية رئيسية للوصول الى قطر هو اعتراف بتفكك النظام العربي الرسمي وتحوله الى مجرد شرطي لأجندة امنية تسيطر عليها واشنطن وتل ابيب .
وهذا السيناريو لا يقل خطورة عن الضربة نفسها ، لأنه ينتهك السيادة ويجعل من الدول العربية كلها اهدافا محتمله للاعتداءات الاسرائيلية والامريكية مستقبلا .







