بين دجلة والواجب حين تتحول المسؤولية إلى استعراض
بقلم: أحمد الحمداني
في الدول التي تحترم نفسها لا تكون الزيارات الميدانية لمسؤوليها نزهات ولا تتحول الكوارث أو التحديات إلى مشاهد خفيفة تُستهلك على منصات التواصل أما في العراق فثمة مفارقة موجعة تتكرر مسؤولون يتوجهون إلى مواقع حساسة لكن بعض ما يُنشر لاحقاً يكشف خللاً عميقاً في فهم طبيعة الدور العام و ما جرى خلال توجه عدد من أعضاء مجلس النواب إلى نهر دجلة لم يكن مجرد زيارة عادية بل كان يفترض أن يكون مهمة رقابية تحمل أبعاداً بيئية وأمنية وخدمية في بلد يعاني من أزمات مركبة تتعلق بالمياه والتلوث وسلامة البنى التحتية لكن الصدمة لم تكن في الزيارة بل في الطريقة التي قُدّمت بها للرأي العام باستثناء مقطع النائب يوسف الكلابي ومعه النائب كاظم الشمري الذي ظهر فيه وهو يشرح ما يحدث بقدر عالي من الجدية والوضوح بدت بقية المشاهد المنشورة خصوصاً عبر الصفحات الشخصية لبعض النائبات وكأنها منفصلة تماماً عن السياق ضحك ولقطات خفيفة وزوايا تصوير أقرب إلى التوثيق الشخصي منها إلى نقل مهمة رسمية هنا لا نتحدث عن خطأ بسيط في التقدير بل عن خلل في إدراك معنى التمثيل النيابي نفسه.
النائب أياً كان جنسه أو موقعه لا يمثل ذاته ولا صفحته ولا جمهوره الرقمي بل يمثل شعباً بأكمله وكل صورة أو فيديو يصدر عنه هو رسالة سياسية قبل أن يكون محتوى إعلامياً حين يظهر هذا المحتوى بخفة أو استهزاء فإن الرسالة التي تصل للناس ليست نحن نتابع بل نحن غير معنيين بالجدية التي تتوقعونها و الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يعكس فجوة بين ما يعيشه المواطن وما يقدمه ممثلوه المواطن الذي يرى دجلة اليوم لا يراه كخلفية جميلة للصور بل كرمز لأزمة مائية حقيقية وتحديات بيئية ومخاوف تتعلق بمستقبل بلد بأكمله فكيف يُعقل أن تتحول زيارة بهذا الثقل إلى مادة ترفيهية أو لحظة خفيفة هنا لا بد من التوقف عند حلقة غالباً ما يتم تجاهلها وهي دور المكاتب الإعلامية الشخصية وإعلام الكتل النيابية الخطأ وارد في الأداء البشري لأي نائب أو مسؤول لكن وظيفة المكتب الإعلامي ليست النشر فقط بل التدقيق والتقدير والتحرير وإدارة الرسالة قبل خروجها للرأي العام أين كانت فلترة المحتوى أين التقدير السياسي والإعلامي للصورة واللقطة والتوقيت وأين دور إعلام الكتلة في ضبط الإيقاع العام ومنع انزلاق الخطاب نحو الاستهتار غير المقصود ما ظهر لم يكن مجرد زلة فردية بل كشف ضعفاً في منظومة الاتصال السياسي كاملة ضعف في قراءة المزاج العام وضعف في فهم حساسية اللحظة وضعف في إدارة الانطباع العام الذي بات اليوم جزءاً من صميم العمل السياسي وليس هامشاً عليه ولعل الأهم أن ردود الفعل الشعبية كانت صريحة وقاسية من يتابع التعليقات يلحظ بوضوح حالة اشمئزاز حقيقي وليس مجرد نقد عابر وهذا المؤشر لا يمكن الاستهانة به لأنه يعكس تآكل الثقة وتراكم الإحباط بين المواطن وممثليه وهي فجوة إذا لم تُعالج ستتسع أكثر مع كل مشهد مشابه ليست المشكلة في الابتسام بحد ذاته ولا في توثيق الزيارة بل في السياق والرسالة هناك فارق شاسع بين التوثيق المهني الذي يعكس المتابعة والمسؤولية وبين الاستعراض الذي يُشعر الناس بأن من يمثلهم لا يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
العمل النيابي ليس ظهوراً إعلامياً بل وظيفة رقابية وتشريعية تتطلب الانضباط والوعي واحترام عقول الناس ومن لا يميز بين صفته الرسمية وصفحته الشخصية يضع نفسه طوعاً في موقع النقد بل والمساءلة الأخلاقية قبل السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسات ليس الفساد فقط بل تآكل الهيبة وهيبة الدولة تبدأ من سلوك ممثليها حين يختلط الرسمي بالشخصي والواجب بالاستعراض تتحول المؤسسات إلى مسرح مفتوح ويفقد المواطن ثقته تدريجياً بكل ما يُفترض أنه يمثلّه
ما نحتاجه اليوم ليس فقط نواباً يذهبون إلى الميدان بل منظومة سياسية وإعلامية تدرك أن كل صورة وكل كلمة وكل تفصيل صغير قد يصنع فجوة أو يبني ثقة وأن عقد التمثيل بين النائب والشعب لا يحتمل الاستخفاف عنوانه الوحيد المسؤولية قبل كل شيء







