د.هبة السامرائي
في كل صباحٍ دراسي، حين تُفتح أبواب المدارس وتنساب خطى الطلبة نحو صفوفهم، لا يكون الدرس مجرد مادةٍ تُشرح أو واجبٍ يُحلّ، بل يكون لقاءً إنسانياً عميقاً بين جيلٍ يتشكل، وآخر يُفترض به أن يقوده…
هنا، يقف الأستاذ لا بوصفه ناقلاً للمعرفة فحسب، بل بوصفه مرآةً تُرى فيها القيم، ونموذجاً تُقاس عليه السلوكيات، وقدوةً تتسلل تفاصيلها إلى وجدان الطلبة دون استئذان.
تختلف المراحل الدراسية في احتياجاتها النفسية والتربوية، كما تختلف أعمار الطلبة في قدرتهم على الفهم والتلقي..
لكن ما لا يختلف هو أثر الكلمة…
في المرحلة الابتدائية، يكون الطالب أقرب إلى الطين الطري، يتشكل بنبرة الصوت قبل مضمونها، وبالابتسامة قبل المعلومة. التفاتة عابرة من الأستاذ، أو كلمة عابرة قاسية، قد تزرع في داخله خوفاً دائماً أو ثقةً لا تزول…
أما في المرحلة المتوسطة، فيبدأ الطالب بملامسة ذاته، ويبحث عمّن يفهم ارتباكه، لا عمّن يزيده قلقاً…
وهنا، يصبح الأستاذ موجهاً نفسياً بقدر ما هو معلّم أكاديمي…
وفي المرحلة الثانوية، حيث تتزاحم الأسئلة والطموحات، يتحول الأستاذ إلى شريكٍ في تشكيل المستقبل، لا مجرد ممتحنٍ يمنح الدرجات.
في كل هذه المراحل، لا تكون الكلمة وحدها هي الرسالة. طريقة الإلقاء، نبرة الصوت، لغة الجسد، وحتى تلك الالتفاتة الصغيرة التي قد يظنها الأستاذ عفوية، تحمل معاني عميقة. الطالب يقرأ أستاذه كما يقرأ كتابه، بل ربما أكثر…
قد ينسى شرح قاعدةٍ، لكنه لا ينسى شعوراً بالاحترام أو الإهانة. من هنا، يصبح الوعي بالتفاصيل ضرورة تربوية، لا رفاهية.
غير أن المشهد لا يخلو من إشكاليةٍ تؤرق الميدان التربوي .. فئة من الكوادر التعليمية ترى في أي ملاحظةٍ على أدائها انتقاصاً من مكانتها، وتتعامل مع النصح بوصفه هجوماً، لا فرصة…
هؤلاء يرفضون التطوير، لا لأنهم يجهلون أهميته، بل لأنهم يربطونه باعترافٍ ضمني بالتقصير…
في بيئةٍ كهذه، تتعطل عجلة التحسين، ويتحول الصف إلى مساحةٍ جامدة، لا تنمو فيها إلا الفجوة بين الطالب وأستاذه.
لكن، إذا كان الأستاذ هو حجر الزاوية، فإن تطويره لا يمكن أن يُترك للمصادفة أو المبادرات الفردية. إن تدريب المعلم اليوم لم يعد يقتصر على إتقان المادة العلمية، بل أصبح مساراً متكاملاً يشمل الوعي النفسي، والمهارات التواصلية، وفنون الإلقاء، وإدارة الصف، وحتى الذكاء العاطفي. فالأستاذ بحاجة إلى أن يتعلم كيف يقول، لا ماذا يقول فقط…
أولى خطوات هذا التطوير تبدأ من إدراك أن التعليم مهنةٌ متجددة. العالم يتغير، وطرق التعلم تتبدل، والطلبة أنفسهم لم يعودوا كما كانوا قبل عقدٍ من الزمن. لذا، فإن إدماج برامج تدريبية مستمرة داخل المؤسسة التعليمية لم يعد خياراً، بل ضرورة…
هذه البرامج لا ينبغي أن تكون نظرية جافة، بل ورشاً تفاعلية تُحاكي الواقع الصفي، وتمنح الأستاذ فرصة لتجربة أساليب جديدة في بيئةٍ آمنة…
كما أن أسلوب “الملاحظة المتبادلة” بين المعلمين يمكن أن يكون أداة فعالة. حين يدخل الأستاذ صف زميله لا بوصفه رقيباً، بل متعلماً، تنشأ ثقافة تبادل الخبرات بدلاً من الحساسية تجاه التقييم…
كذلك، فإن تسجيل الحصص الدراسية (ولو بشكلٍ محدود) ومراجعتها لاحقاً، قد يفتح أعين الأستاذ على تفاصيل لم يكن يلحظها أثناء الشرح، من نبرة صوته إلى حركته في الصف…
ولا يقلّ أهميةً عن ذلك، التدريب على الوعي بالكلمة وأثرها. فهناك دورات متخصصة في مهارات التواصل التربوي، تُعنى بكيفية استخدام اللغة الداعمة، وتجنب العبارات التي قد تحمل إيحاءاً سلبياً…
كما أن تطوير مهارات الإلقاء من خلال تمارين الصوت، وضبط الإيقاع، والتفاعل البصري يسهم في تحويل الحصة من تلقينٍ جامد إلى تجربةٍ حيّة…
غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب بيئةً إدارية داعمة. فحين يشعر الأستاذ أن تطويره سيُقابل بالتقدير لا بالمساءلة فقط، يصبح أكثر انفتاحاً على التعلم…
وهنا، يمكن للإدارة أن تلعب دوراً في تحفيز المعلمين، سواء عبر شهادات تقدير، أو ربط الترقية المهنية بالمشاركة الفاعلة في برامج التطوير…
أما بالنسبة لأولئك الذين يرفضون التغيير، فإن التعامل معهم يحتاج إلى مزيجٍ من الحزم والاحتواء..
لا يمكن ترك الصف رهينةً لجمودٍ فكري، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن كسر هذا الجمود بالقوة فقط…
أحياناً، يكون إشراكهم في تجارب بسيطة، أو تكليفهم بمهامٍ تدريبية صغيرة، مدخلاً تدريجياً لكسر الحاجز النفسي لديهم.
في النهاية، لا يمكن لأي نظام تعليمي أن ينهض دون أن ينهض بأستاذه أولاً. فالأستاذ الذي يتوقف عن التعلم، يفقد تدريجياً قدرته على التعليم. والطالب الذي لا يجد في أستاذه قدوة، سيبحث عنها في مكانٍ آخر، قد لا يكون آمناً ولا سليماً.
إن المدرسة ليست جدراناً ولا مناهج، بل علاقات إنسانية تُبنى كل يوم. وفي قلب هذه العلاقات، يقف الأستاذ، بكلمته، بصمته، بنظرته، وباستعداده الدائم لأن يكون أفضل. فحين يدرك أن تطويره ليس انتقاصاً منه، بل امتدادٌ لرسالته، يتحول التعليم من مهنةٍ تُؤدى، إلى رسالةٍ تُعاش.







