بقلم: د.هبة السامرائي
في كل مرة نحكي فيها عن الحب، أو الصداقة، أو حتى روابط العائلة، يظهر ذلك السؤال بصمت ..
هل توجد علاقة مثالية حقًا؟ علاقة لا تخطئ، لا تتعب، لا تُخذل، ولا تجرح؟ أم أن (المثالية) مجرد صورة لامعة صنعناها لنحتمي بها من فوضى الواقع؟
نحن لا نولد بهذه الفكرة؛ نحن نتعلّمها .. من الحكايات التي تنتهي دائماً بسعادة كاملة، من الصور التي لا تُظهر إلا اللحظات المضيئة، ومن رغبتنا العميقة في الأمان.
فنبدأ، دون أن نشعر، بقياس علاقاتنا الحقيقية على معايير غير حقيقية. نريد حباً بلا سوء فهم، وصداقة بلا خيبة، وقرباً بلا مسافة ..
نريد إنساناً لا يخطئ…
وهذا تحديداً ما يجعلنا نخسر إنساناً حقيقياً ..
الحقيقة الأقل بريقاً، لكنها الأكثر صدقاً هي أن العلاقات التي لا تمرّ بالخلافات غالباً لا تعيش طويلاً، أو لا تعيش بعمق. الخلاف ليس عطباً طارئاً، بل جزء من طبيعة البشر ..
نحن مختلفون في الطباع، في التوقعات، في طرق التعبير، وحتى في الجروح القديمة التي نحملها معنا إلى كل علاقة. لذلك، فإن السؤال ليس (هل سنختلف؟)
بل (كيف نختلف؟)
هناك فرق شاسع بين علاقة تنهار عند أول سوء فهم، وأخرى تتّسع له. بين علاقة تُحوّل الخلاف إلى معركة كسر عظم، وأخرى تراه فرصة للفهم.
في الأولى، يسود الخوف … الخوف من الخسارة و من الرفض، من أن نكون على حقيقتنا ..
اما في الثانية، هناك مساحة آمنة، تسمح لنا أن نخطئ دون أن نخسر، وأن نتكلم دون أن نخاف ..
وهنا، ربما، يبدأ التحوّل الأهم من البحث عن (العلاقة المثالية) إلى فهم (العلاقة الصحية) ..
العلاقة المثالية تطلب الكمال، والكمال مرهق ومستحيل. أما العلاقة الصحية، فهي لا تنكر النقص، بل تديره بوعي.
لا تُقصي الخلاف، بل تنظّمه ..
لا تبحث عن طرف بلا عيوب، بل عن طرف مستعد أن يرى عيوبه، ويعمل عليها ..
العلاقة الصحية لا تُقاس بعدد الأيام الجميلة فقط، بل بطريقة عبور الأيام الصعبة. في نبرة الصوت حين نغضب، في قدرتنا على الاعتذار، في احترام الحدود، وفي ذلك الشعور الخفي بأنك لست مضطراً لأن تتصنّع نسخة أفضل منك كي تبقى مقبولاً ..
هي علاقة لا تُشعرك بأنك في اختبار دائم، بل في مساحة نمو. لا تُهددك بالانسحاب عند كل خطأ، ولا تُساومك على ذاتك مقابل الاستمرار. فيها من الواقعية ما يكفي لتنجو، ومن اللطف ما يكفي لتستمر …
لذلك، ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال.
من (كيف أجد علاقة مثالية؟) الى (كيف أبني علاقة صادقة بما يكفي لتتحمّل الواقع؟)
في النهاية، لا تحتاج العلاقات إلى الكمال كي تنجح، بل إلى وعي ..
و لا تحتاج إلى غياب المشاكل، بل إلى حضور النية الصادقة في حلّها ..وما نظنه أحيانًا (نقصاً) في العلاقة، قد يكون هو ما يمنحها إنسانيتها… وسببها الحقيقي للبقاء.
المثالية قد تبدو جميلة من بعيد، لكنها هشّة ..
أما العلاقات التي تقبل أن تكون غير مكتملة، فهي وحدها القادرة على أن تكون حقيقية… وطويلة بما يكفي لتُروى…







