حرية
أعلن مركز ميترو، بالتعاون مع وكالة «CFI»، في مؤتمر صحفي عقد بمدينة السليمانية، إطلاق دليل قانوني وأخلاقي جديد للصحفيين، يتناول أسس التعامل المهني مع تغطية الحروب والمحاكم والجرائم وملفات حقوق الإنسان وخطاب الكراهية، في محاولة لتعزيز معايير العمل الإعلامي والحد من الأخطاء التي قد تتحول إلى مبررات لتقييد الحريات الصحفية.
وقال مدير مركز ميترو، ديار محمد، إن المركز رصد خلال الفترة الماضية عدداً كبيراً من الشكاوى والملاحظات المرتبطة بأداء بعض الصحفيين ووسائل الإعلام، مشيراً إلى تسجيل أخطاء مهنية وعدم مراعاة بعض التغطيات لمتطلبات الأمن والسلام الاجتماعي.
وأوضح محمد أن المركز نظم سلسلة لقاءات مع صحفيين وأساتذة جامعات في هولير والسليمانية ومناطق أخرى، بهدف تحديد أبرز التحديات التي تواجه العمل الإعلامي، مبيناً أن النقاشات أظهرت وجود قصور في التعامل مع عدد من الملفات الحساسة، ولا سيما أخبار الحرب والمحاكم والجرائم.
وأشار إلى أن بعض وسائل الإعلام ارتكبت أخطاء مهنية من بينها نشر معلومات قبل إعلانها رسمياً من الجهات الأمنية المختصة، فيما تحولت بعض المنصات إلى مساحة لنشر خطاب الكراهية، وهو ما يمكن أن ينعكس على السلم المجتمعي، فضلاً عن تأثيره في صورة العمل الصحفي والحريات الإعلامية.
وبيّن أن التعاون مع وكالة «CFI» أسفر عن إعداد دليل يجمع الجوانب المهنية والقانونية والأمنية والأخلاقية، لمساعدة الصحفيين على التعامل بصورة أكثر مسؤولية مع القضايا التي تتطلب دقة وحساسية في التغطية.
وأكد مدير مركز ميترو أن بعض الأخطاء المهنية تحولت في حالات معينة إلى ذريعة لتقديم شكاوى ضد الصحفيين أو فرض قيود على عملهم، لافتاً إلى أن الهدف من الدليل هو تحقيق معادلة مزدوجة تقوم على حماية الصحفي من مخالفة القواعد القانونية والأخلاقية، ومنع استخدام تلك المخالفات في الوقت نفسه ذريعة للتضييق على حرية الصحافة.
من جانبه، أكد الأستاذ الجامعي الدكتور سامان فوزي أن الحرية الصحفية ليست مطلقة، وأن ممارستها تتوقف عند حدود حقوق الآخرين والمصلحة العامة، مشدداً على أن الصحافة، بوصفها إحدى ركائز الحريات العامة، تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع.
وقال فوزي إن وصف الصحافة بـ«السلطة الرابعة» يرتبط بدورها في مراقبة السلطات الأخرى ومساءلتها، وهو ما يتطلب مستوى مرتفعاً من المهنية والمسؤولية، داعياً إلى تعزيز التنظيم الذاتي للعمل الصحفي من خلال قواعد واضحة للأخلاقيات والمعايير المهنية.
وأشار إلى أن مبادئ وأخلاقيات الصحافة تُدرّس في الجامعات والمعاهد، إلا أن هذه المعرفة لا تصل بالضرورة إلى جميع العاملين في المجال الإعلامي، الأمر الذي يجعل توفير أدلة عملية ومبسطة أمراً ضرورياً، خصوصاً عند تغطية القضايا الأمنية والقضائية والإنسانية.
وأكد مركز ميترو، في ختام المؤتمر، أن إعداد الدليل استند إلى محاولة مواءمة محتواه مع المعايير الدولية للعمل الصحفي، بهدف تقليل مساحة الخلاف بشأن قواعد ومحددات التغطية الإعلامية.
ويتضمن الدليل 50 مبدأً أساسياً تتعلق بتغطية أخبار الحرب والمحاكم والجرائم، إلى جانب قواعد التعامل مع خطاب الكراهية وحقوق الإنسان، في مسعى لتحقيق توازن بين حماية حرية الصحافة ومنع التجاوزات التي قد تضر بالأفراد أو الأمن المجتمعي.
يمثل إطلاق الدليل محاولة للانتقال من الجدل التقليدي بين حرية الصحافة والقيود المفروضة عليها إلى التركيز على المسؤولية المهنية باعتبارها إحدى أدوات حماية الحرية نفسها. فكلما ارتفع مستوى التزام وسائل الإعلام بالدقة والتحقق واحترام حقوق الأفراد، تقلصت مساحة استخدام الأخطاء الصحفية مبرراً للتدخل في العمل الإعلامي.
وتبرز أهمية الدليل بصورة أكبر في تغطية الحروب والعمليات الأمنية والقضايا القضائية، إذ إن نشر معلومة غير دقيقة أو الكشف المبكر عن تفاصيل أمنية قد لا يكون مجرد خطأ مهني، بل قد يترتب عليه ضرر مباشر على سير العمليات أو حقوق المتهمين أو سلامة الأشخاص المعنيين.
وفي المقابل، فإن وضع قواعد مهنية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتقييد الصحافة أو منع التغطيات التي تكشف الأخطاء أو الانتهاكات. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المعايير، وإنما في كيفية تطبيقها بصورة متوازنة ومستقلة، بحيث تكون حماية المجتمع وحقوق الأفراد متلازمة مع حماية حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات ونشرها.
كما أن مكافحة خطاب الكراهية تمثل ملفاً متزايد الأهمية، خصوصاً مع اتساع تأثير المنصات الرقمية وسرعة انتشار المحتوى. وهنا يصبح التنظيم الذاتي والتدريب المستمر للصحفيين أكثر فاعلية من الاعتماد على العقوبات وحدها.
وبذلك، فإن نجاح الدليل لن يقاس بعدد نسخه أو المبادئ التي يتضمنها، وإنما بمدى تحوله إلى مرجع عملي يستخدمه الصحفي والمؤسسة الإعلامية قبل نشر المواد الحساسة، وبمدى التزام الجهات الرسمية والقضائية في المقابل بعدم تحويل الأخطاء المهنية إلى أداة لتقييد حرية الصحافة.







