حرية
تتحرك الولايات المتحدة نحو تعزيز حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في رسالة تبدو موجهة بالدرجة الأولى إلى الصين، رغم انشغال واشنطن بجبهات وأزمات أخرى، وفي مقدمتها الحرب مع إيران.
ويأتي هذا التحرك مع إعلان قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية، الأدميرال فرانك برادلي، استعداد قواته لتوسيع تدريبات الجاهزية القتالية مع الفلبين وحلفاء آسيويين آخرين، بما يعكس توجهاً أميركياً لإعادة تثبيت شبكة التحالفات الأمنية في المنطقة ومنع انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط من ترك فراغ تستفيد منه بكين.
وخلال جولة شملت الفلبين وكوريا الجنوبية واليابان، سعى برادلي إلى طمأنة الحلفاء بشأن استمرار الالتزام الأميركي بأمن المنطقة، مؤكداً أن التحالفات العسكرية والتدريبات المشتركة تمثل إحدى أهم أدوات الردع في مواجهة أي صراع محتمل.
وتكتسب الفلبين أهمية خاصة في هذه الاستراتيجية، باعتبارها حليفاً أميركياً رئيسياً في آسيا، وبسبب موقعها الجغرافي القريب من بحر الصين الجنوبي وتايوان. كما أن التوتر المتصاعد بين مانيلا وبكين حول المناطق البحرية المتنازع عليها يجعل الأراضي الفلبينية نقطة ارتكاز مهمة لأي استراتيجية أميركية لاحتواء النفوذ الصيني.
الفلبين تتحول إلى منصة متقدمة
لا تبدو التدريبات الأميركية الفلبينية مجرد مناورات عسكرية روتينية، بل تحمل بعداً استراتيجياً يرتبط بإعادة بناء قدرة الردع في مناطق التماس مع الصين.
فالمناورات التي شاركت فيها خلال السنوات الأخيرة اليابان وأستراليا وكندا وفرنسا، إلى جانب القوات الأميركية والفلبينية، تعكس اتجاهاً نحو تحويل التعاون العسكري من علاقة ثنائية إلى شبكة أمنية متعددة الأطراف.
وتبرز مقاطعة باتانيس في هذا السياق باعتبارها موقعاً بالغ الحساسية، نظراً لقربها من تايوان. ولذلك فإن استمرار تدريبات القوات الخاصة الأميركية والفلبينية هناك يحمل رسالة مزدوجة: دعم الفلبين من جهة، وإظهار القدرة على التحرك السريع في بيئة جغرافية قريبة من أحد أكثر ملفات الأمن الإقليمي حساسية، من جهة أخرى.
والأهم أن واشنطن لا تتحدث فقط عن زيادة عدد القوات، وإنما عن رفع الجاهزية القتالية وتطوير قابلية العمل المشترك. وهذا يعني أن الهدف هو بناء قدرة يمكن استخدامها في حال اندلاع أزمة، وليس الاكتفاء بإرسال رسائل سياسية.
واشنطن أمام معادلة صعبة
التحرك الأميركي في آسيا يأتي في توقيت شديد التعقيد. فالولايات المتحدة تخوض مواجهة مفتوحة مع إيران وتخصص موارد عسكرية وسياسية كبيرة للشرق الأوسط، فيما تحاول في الوقت نفسه منع الصين من استغلال انشغالها لبناء نفوذ أكبر في بحر الصين الجنوبي أو الاقتراب أكثر من تايوان.
ومن هنا يمكن فهم تركيز واشنطن على الحلفاء بدلاً من الاعتماد على الانتشار الأميركي المباشر وحده.
فالاستراتيجية تبدو قائمة على تقاسم عبء الردع: أن تقوم الفلبين بتطوير قدراتها، وأن تشارك اليابان وأستراليا وكندا ودول أخرى في التدريبات، بينما توفر الولايات المتحدة القيادة والخبرة والقدرات المتقدمة.
وهذا النموذج يقلل كلفة الانتشار الأميركي، لكنه في المقابل يرفع مستوى التشابك الأمني بين واشنطن وحلفائها، ويجعل أي أزمة محلية في بحر الصين الجنوبي قابلة للتحول إلى أزمة دولية أوسع.
من بحر الصين إلى الحرب التجارية
وفي المسار الاقتصادي، تتزامن التحركات العسكرية مع تصعيد أميركي آخر ضد الصين، يتمثل في اتهام بكين باستخدام دول ثالثة للالتفاف على الرسوم الجمركية الأميركية.
وبحسب تقرير للبيت الأبيض، تستخدم الصين شبكة واسعة من دول العبور لإعادة تصدير بضائعها إلى السوق الأميركية، عبر تغيير بلد المنشأ أو إعادة تغليف المنتجات أو إجراء عمليات تجميع محدودة خارج الصين.
وتكشف هذه الاتهامات أن المواجهة الأميركية الصينية لم تعد محصورة في المجال العسكري أو الأمني، بل أصبحت متعددة الجبهات تشمل التجارة وسلاسل الإمداد والجمارك والتكنولوجيا والتحالفات العسكرية.
وهنا تكمن دلالة التطورات الأخيرة: واشنطن لا تواجه الصين بأداة واحدة، وإنما تعمل على بناء منظومة ضغط متكاملة، تبدأ من بحر الصين الجنوبي وتمتد إلى الاقتصاد العالمي.
الصين أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى بكين، فإن اتساع التدريبات الأميركية في محيطها المباشر، خصوصاً بالقرب من تايوان، يمثل تطوراً حساساً، لأنه يعزز قدرة واشنطن وحلفائها على التحرك في بيئة تعتبرها الصين جزءاً من مجالها الاستراتيجي.
لكن المشكلة الأكبر ليست في كل مناورة منفردة، بل في تراكم القدرات والتحالفات.
فكلما ازدادت التدريبات المشتركة، وتوسعت شبكة الدول المشاركة، وارتفعت قابلية القوات للعمل معاً، أصبحت كلفة أي تحرك عسكري صيني أكبر، ليس بالضرورة لأن الولايات المتحدة تريد الحرب، وإنما لأنها تريد إقناع بكين بأن الحرب ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.
وبذلك، تبدو واشنطن أمام استراتيجية تقوم على قاعدة بسيطة: ردع الصين قبل أن تضطر إلى مواجهتها.
لكن المفارقة أن توسيع الردع قد يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة التوتر؛ فكلما عززت الولايات المتحدة تحالفاتها العسكرية في محيط الصين، قد تنظر بكين إلى الخطوة باعتبارها محاولة لمحاصرتها، فترد بتوسيع انتشارها وقدراتها العسكرية.
وهكذا، فإن سباق الردع في آسيا قد يتحول تدريجياً إلى سباق نفوذ واستعداد عسكري، خصوصاً مع بقاء ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي في صدارة نقاط الاحتكاك بين القوتين.







