حرية
تتجه شركة «OpenAI» إلى توسيع مفهوم المساعد الذكي من مجرد أداة تنتظر سؤال المستخدم إلى نظام قادر على الاحتفاظ بسياق مستمر لما يجري على جهازه، مع طرح ميزة جديدة باسم «Computer History» أو «سجل الكمبيوتر» في تطبيق «ChatGPT» لأجهزة «ماك».
وتمنح الميزة، بعد موافقة المستخدم وتفعيلها، «ChatGPT» قدرة على إنشاء سجل زمني للنشاط الذي يحدث عبر التطبيقات والمواقع التي يختار المستخدم السماح لها، ثم الاستفادة من أجزاء من هذا النشاط في تكوين ما يشبه «الذكريات» التي يمكن لـ«ChatGPT» و«Codex» الرجوع إليها لاحقاً.
والفكرة الأساسية هنا أن المستخدم لن يكون مضطراً في كل مرة إلى إعادة شرح المشروع أو المهمة أو المستند الذي كان يعمل عليه. فبدلاً من أن يبدأ المساعد من نقطة الصفر، يمكنه الاستناد إلى سياق سابق لما جرى على الكمبيوتر.
من روبوت محادثة إلى مساعد يعرف سياق العمل
حتى الآن، اعتمدت غالبية استخدامات المساعدات الذكية على المعلومات التي يقدمها المستخدم داخل المحادثة نفسها.
إذا كان المستخدم يعمل على تقرير أو مشروع برمجي أو مستند، فعليه عادةً رفع الملف أو نسخ المعلومات أو شرح ما أنجزه سابقاً حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي من متابعة المهمة.
لكن «Computer History» تحاول تغيير هذه المعادلة.
فبدلاً من أن يكون السياق محصوراً داخل نافذة «ChatGPT»، يصبح بالإمكان ربطه بما كان المستخدم يفعله فعلياً على الكمبيوتر.
وهذا يفتح الباب أمام أسئلة من نوع: «ما الذي كنت أعمل عليه صباحاً؟» أو: «أين توقفت في المشروع الذي كنت أعمل عليه أمس؟» أو:
«ما المستند الذي فتحته الأسبوع الماضي؟»
وهي أسئلة تتطلب في العادة من المستخدم أن يتذكر بنفسه أين كان يعمل وماذا فعل، بينما تحاول الميزة الجديدة توفير جزء من هذه الذاكرة للمساعد.
هل «ChatGPT» يصور شاشة جهازك؟
هذه النقطة هي الأكثر أهمية في فهم طريقة عمل الميزة. فبحسب الوصف المقدم للميزة، لا تعتمد «Computer History» على تسجيل مستمر للشاشة أو التقاط صور متتابعة لسطح المكتب، كما أنها لا تسجل الفيديو أو الصوت أو تستخدم الكاميرا والميكروفون لتوثيق نشاط المستخدم.
بدلاً من ذلك، تعتمد على بيانات مرتبطة بتفاعل المستخدم مع الكمبيوتر، مثل النقرات والكتابة واختصارات لوحة المفاتيح والتنقل بين التطبيقات، إلى جانب المعلومات التي يوفرها نظام إمكانية الوصول في «macOS».
وبمعنى أبسط، فإن النظام يحاول بناء خريطة سياقية للنشاط بدلاً من تحويل شاشة المستخدم إلى تسجيل فيديو دائم.
وهذا فارق تقني مهم، لكنه لا يلغي الأسئلة المتعلقة بالخصوصية، لأن جمع أحداث التفاعل عبر التطبيقات والمواقع يمكن أن يكشف بدوره قدراً كبيراً من المعلومات عن سلوك المستخدم وعمله.
ذاكرة تتجاوز المحادثة
التحول الأكبر الذي تحمله الميزة لا يتعلق بتسجيل النشاط فقط، وإنما بطريقة استخدامه لاحقاً.
فالنظام ينشئ خطاً زمنياً للنشاط، ويمكن أن يحول بعض المعلومات إلى «ذكريات» يمكن للمساعد استخدامها عند الحاجة.
وهذا يعني أن «ذاكرة ChatGPT» تصبح مرتبطة، بدرجة أكبر، بما يفعله المستخدم على جهازه، وليس فقط بما يقوله داخل المحادثة.
ومن الناحية العملية، يمكن لهذه القدرة أن تكون مفيدة للصحفي والباحث والمبرمج والموظف والطالب وكل شخص يتعامل يومياً مع عدد كبير من الملفات والتطبيقات والمواقع.
فبدلاً من البحث اليدوي عن كل خطوة سابقة، يمكن للمستخدم الاستعانة بالمساعد لاستعادة السياق.
من الذاكرة إلى الأتمتة
الأكثر إثارة في هذه الخطوة هو أن الاحتفاظ بسجل للنشاط يمكن أن يكون أساساً لاكتشاف الأنماط المتكررة في طريقة عمل المستخدم.
فإذا لاحظ النظام أن المستخدم يؤدي سلسلة متكررة من الخطوات لإنجاز مهمة معينة، فقد يصبح بالإمكان تحويل هذه الخطوات مستقبلاً إلى مهارة أو عملية مؤتمتة.
وهنا ينتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة: «أخبرني ماذا تريد أن أفعل» إلى مرحلة: «أفهم كيف تعمل، وأستطيع مساعدتك في اختصار الخطوات المتكررة».
وهذا هو الجانب الذي قد يجعل هذه الميزة أكثر أهمية من مجرد استعادة سجل التصفح أو العثور على ملف قديم.
الخصوصية.. الثمن الحقيقي للذاكرة
كلما أصبح المساعد الذكي أكثر قدرة على معرفة ما يفعله المستخدم، أصبحت الخصوصية القضية الأكثر حساسية.
ولهذا فإن الميزة لا تعمل تلقائياً، وإنما تحتاج إلى تفعيلها من قبل المستخدم.
كما يستطيع المستخدم تحديد التطبيقات والمواقع التي يسمح لها بالدخول ضمن سجل النشاط، وإيقاف الميزة مؤقتاً، وإدارة سجل النشاط وحذف عناصر منه.
وتستثني الميزة نوافذ التصفح الخاصة، ولا تقوم بتسجيل الشاشة أو الكاميرا أو الميكروفون أو صوت النظام.
أما بيانات النشاط الخام، فتُخزن مؤقتاً على جهاز «ماك» لمدة تصل إلى 48 ساعة قبل حذفها، في حين يمكن أن تستمر «الذكريات» التي أنشأها النظام إلى أن يقوم المستخدم بحذفها.
وهنا تظهر نقطة مهمة: حذف البيانات الخام لا يعني بالضرورة أن كل ما استُنتج منها يختفي تلقائياً، ولذلك تصبح إدارة «الذكريات» نفسها جزءاً أساسياً من تجربة الخصوصية.
كيف تعمل الميزة؟
يمكن للمستخدم تفعيل «Computer History» من تطبيق «ChatGPT» على جهاز «ماك» عبر الإعدادات، ثم الدخول إلى قسم التخصيص واختيار الميزة وبدء إعدادها.
بعد ذلك يحتاج «ChatGPT» إلى الحصول على صلاحية إمكانية الوصول في نظام «macOS»، وهي الصلاحية التي تسمح للتطبيق بالتفاعل مع المعلومات المرتبطة بالتطبيقات والنوافذ والنشاط الذي يختاره المستخدم.
وبعد منح الإذن، يستطيع المستخدم تحديد التطبيقات والمواقع التي يريد إدراجها ضمن السجل.كما يمكنه لاحقاً العودة إلى الإعدادات لتعديل القائمة أو إيقاف الميزة مؤقتاً أو إدارة سجل النشاط.
ليست متاحة لجميع المستخدمين
لا تزال «Computer History» في مرحلة طرح تدريجي، ولا تتوفر لجميع مستخدمي «ChatGPT».
وتتوفر حالياً عبر تطبيق «ChatGPT» على نظام «ماك» لفئات محددة من المشتركين، بينها Pro وBusiness وEnterprise، فيما تحتاج حسابات المؤسسات إلى سماح مسؤول مساحة العمل باستخدام الميزة قبل أن يتمكن الموظف من تفعيلها.
كما أن الإطلاق يخضع لبعض القيود الجغرافية، ما يعني أن ظهور الميزة قد يختلف من مستخدم إلى آخر.
ماذا يعني ذلك لمستقبل «ChatGPT»؟
يمكن النظر إلى «Computer History» باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في فلسفة المساعدات الذكية.
فالمساعد التقليدي ينتظر الأوامر، بينما يحاول المساعد الجديد امتلاك سياق مستمر.
وهذا الفارق يبدو بسيطاً، لكنه قد يغير طريقة استخدام الكمبيوتر بالكامل.
تخيل مثلاً أن صحفياً يعمل طوال اليوم على عدد من الوثائق والمواقع ورسائل البريد الإلكتروني، ثم يغلق جهازه.
عند عودته، يستطيع أن يسأل المساعد:
«أين توقفت في إعداد التقرير؟»
بدلاً من البحث في عشرات النوافذ والملفات، يمكن للمساعد استخدام السياق السابق لمساعدته على استعادة نقطة التوقف.
والأمر نفسه ينطبق على المبرمج الذي يعمل على مشروع، أو الباحث الذي يجمع مصادر، أو الموظف الذي يتعامل مع سلسلة طويلة من المهام.
لكن هناك سؤالاً أكبر
إذا كان الذكاء الاصطناعي يعرف ما تفعله على جهازك، فمتى يتحول من مساعد شخصي إلى مراقب رقمي؟
هذه هي المعضلة التي سترافق هذا النوع من التقنيات خلال السنوات المقبلة.
فكلما زادت كمية السياق التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي، أصبحت إجاباته أكثر فائدة وشخصية، لكن في المقابل تزداد كمية المعلومات الحساسة التي يحتاج النظام إلى التعامل معها.
ومن هنا ستكون الثقة، وليس الذكاء وحده، العامل الحاسم في نجاح هذه التجربة.
المستخدم قد يقبل أن يتذكر «ChatGPT» ما قاله له في محادثة، لكنه قد يكون أكثر حذراً عندما يصبح المساعد قادراً على معرفة التطبيقات التي فتحها، والمواقع التي زارها، والمستندات التي عمل عليها، وتسلسل الخطوات التي اتبعها خلال يوم كامل.
خطوة نحو «المساعد الذي يعرفك»
أهمية «Computer History» لا تكمن في أنها تضيف خاصية جديدة إلى تطبيق «ChatGPT» فحسب، وإنما في أنها تشير إلى اتجاه أكبر في صناعة الذكاء الاصطناعي.
الاتجاه هو بناء مساعد يمتلك سياقاً مستمراً عن عمل المستخدم.
وفي النموذج القديم، كان الإنسان هو من يحمل الذاكرة ويقدم السياق إلى الذكاء الاصطناعي.
أما النموذج الجديد فيحاول نقل جزء من هذه المهمة إلى الآلة.
وهنا قد يتحول «ChatGPT» تدريجياً من برنامج تفتح نافذته عندما تحتاج إلى إجابة، إلى طبقة ذكاء ترافق المستخدم أثناء عمله على الكمبيوتر.
لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على معادلة دقيقة:
كلما عرف الذكاء الاصطناعي عنك أكثر، أصبح أكثر فائدة لك؛ وكلما عرف عنك أكثر، أصبح من الضروري أن تثق به أكثر.
وهذه المعادلة تحديداً قد تكون واحدة من أكبر قضايا التكنولوجيا في السنوات المقبلة.







