كاميليا انتخابي فرد
تطوي المنطقة، وإيران ودول الضفة الجنوبية للخليج تحديداً، فصل الصيف فيما لا تزال التداعيات الثقيلة للحرب مستمرة، في وقت تعرضت الهدنة الموقتة بين إيران والولايات المتحدة للخرق مراراً، مما أثار موجة من الغضب والقلق والإحباط.
وتضافرت حرارة الصيف القاسية في الجنوب، وتداعيات الحرب، والأهم من ذلك كله حال عدم اليقين، لتجعل هذا الصيف أشبه بموسم قاس على سكان واحدة من أغنى مناطق العالم.
ولا تمثل نهاية مهلة الـ60 يوماً للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة في الـ17 من أغسطس (آب) الجاري نهاية الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، لكنها تشكل بلا شك نهاية مرحلة مهمة من هذه المواجهة، فبعد شهرين من المفاوضات لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق نهائي، ولا تزال الفجوة بينهما واسعة حول أحد أبرز الملفات الخلافية، وهو وضع مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تؤكد واشنطن عزمها على تشديد الضغوط الاقتصادية والإبقاء على الحصار البحري المفروض على إيران، بينما تهدد طهران بتبني موقف أكثر هجومية إذا فشلت المساعي الدبلوماسية، وبذلك لم تعد القضية الأساسية تتمثل في ما إذا كان بإمكان طهران وواشنطن التوصل إلى اتفاق ضمن المهلة التي انتهت، بل في الأدوات التي يمتلكها كل طرف لإجبار الآخر على التراجع، ومدى استعداده لتحمل كلفة استخدام هذه الأدوات.
وقد زاد الانتقال إلى هذه المرحلة من أهمية مضيق هرمز، فيما خرج ملف إيران النووي وأوضاع نحو 90 مليون إيراني، يواجهون ضغوطاً شديدة بسبب التضخم والاقتصاد المنهك والقمع والتهديدات الحكومية، من صدارة النقاشات الجارية هذه الأيام، ومن وجهة نظر طهران فإن التهديدات الأميركية الجديدة بتشديد العقوبات لا تمثل مجرد خطوة اقتصادية، إذ يرى النظام الإيراني أنها جزء من إستراتيجية أوسع لواشنطن تهدف إلى زيادة كلفة استمرار المواجهة، ودفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
وعلى مدى أعوام طويلة، عاش النظام الإيراني تحت العقوبات وطوّر آليات عدة للتعامل معها، من الشبكات المالية غير الرسمية والوسطاء التجاريين إلى بيع النفط عبر قنوات غير مباشرة والتعاون مع شركاء اقتصاديين، وعلى رأسهم الصين، لكن الظروف الحالية تختلف عن كثير من المراحل السابقة، إذ تترافق الضغوط الاقتصادية اليوم مع قيود شديدة على حركة الملاحة وصادرات النفط، وبالتالي لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت إيران قادرة على الالتفاف على العقوبات، بل على حجم الكلفة التي باتت تتحملها في مقابل ذلك.
وقد يتمكن النظام الإيراني من تحمل جولة جديدة من العقوبات، لكن هناك فارقاً بين البقاء والقدرة الاقتصادية على الصمود، فالاقتصاد قد يستمر في العمل في ظروف الأزمة، لكنه قد يشهد في الوقت نفسه تراجعاً حاداً في إيرادات الدولة، والقدرة الشرائية للمواطنين، والاستثمار، والاستقرار المالي، وهنا تحديداً يمكن للضغوط الاقتصادية أن تبدأ تدريجياً في تغيير الحسابات السياسية في طهران.
ومع ذلك فإن توقّع أن تجبر الضغوط الاقتصادية وحدها النظام الإيراني على الاستسلام الإستراتيجي لا يبدو واقعياً، فقادة طهران لا يريدون ترسيخ صورة مفادها أن العقوبات والضغط العسكري الأميركي أرغماهم على التراجع، ولذلك فحتى لو اتجهوا نحو اتفاق، فمن المرجح أن يحاولوا تقديمه باعتباره خياراً سياسياً ودبلوماسياً، وليس نتيجة مباشرة للضغط الأميركي، وفي هذا السياق يكتسب مضيق هرمز أهمية حيوية بالنسبة إلى طهران، فإيران، من خلال قدرتها على تعطيل أحد أهم مسارات الطاقة في العالم، تستطيع رفع كلفة الضغوط الأميركية على الأسواق العالمية، وعلى حلفاء واشنطن الإقليميين، ولهذا لم يعد ملف هرمز مجرد قضية عسكرية أو بحرية، بل أصبح جزءاً أساساً من المفاوضات السياسية.
توصل النظام الإيراني وسلطنة عُمان خلال الأيام الأخيرة إلى تفاهمات في شأن خريطة مسارات الملاحة في هرمز، فيما أعلنت طهران أنها تعمل على استكمال اتفاق مشترك مع مسقط، وهو تطور يشير إلى أنها لا تزال تنظر إلى المضيق لا فقط بوصفه أداة للمواجهة بل أيضاً ورقة تفاوض، لكن هرمز يمثل في الوقت نفسه سلاحاً ذا حدين، فإيران تعتمد بدورها على الخليج في صادرات الطاقة وتجارتها الخارجية، وكلما طال أمد اضطراب الملاحة ارتفعت كلفته الاقتصادية عليها.
وكذلك فإن استهداف السفن التجارية أو خلق حال من انعدام الأمن في ممر مائي دولي، قد يدفع دول المنطقة والمجتمع الدولي إلى مزيد من الاصطفاف ضد طهران، ويزيد خطر تحول الأزمة الدبلوماسية إلى أزمة أمنية أوسع، ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لهرمز بالنسبة إلى إيران لا تكمن بالضرورة في إغلاقه إلى أجل غير مسمى، بل في قدرتها على التهديد باستمرار تعطيله، واستخدام هذا التهديد على طاولة المفاوضات.
في المقابل، يتشكل تطور غير مسبوق، إذ لا تبدي واشنطن استياءها من مسار الوساطة العُمانية وحسب، بل إن دونالد ترمب هدد سلطنة عُمان بهجوم على خلفية محاولات مسقط التوصل إلى حل مع طهران، وهذا التهديد يمثل بحد ذاته مؤشراً على ازدياد تعقيد الأزمة، فإذا تحول الوسيط المفترض أن يؤدي دور قناة الاتصال بين الطرفين إلى جزء من النزاع، فإن المساحة الدبلوماسية ستصبح أكثر هشاشة.
ومع ذلك فإن استبعاد عُمان من مسار الوساطة ليس أمراً بسيطاً، فقد منحت علاقات مسقط التاريخية مع كل من طهران وواشنطن السلطنة قدرة على نقل رسائل لا تستطيع دول أخرى في المنطقة نقلها أحياناً، ولذلك فقد يجعل الضغط على عُمان الموقف الأميركي أكثر تشدداً على المدى القصير، لكنه قد يضعف على المدى البعيد أحد المسارات القليلة الباقية للخروج من الأزمة.
وعلى رغم انتهاء المهلة المحددة، لكن لا ينبغي الاستنتاج أن الدبلوماسية فشلت، وأن الخيار الوحيد الباقي هو تصعيد المواجهة العسكرية، وأرى أن كلفة حرب طويلة مرتفعة للغاية بالنسبة إلى الطرفين، مما يجعل احتمال استمرار المحاولات غير المباشرة للتوصل إلى اتفاق قائماً بدرجة ملاحظة، فالنظام الإيراني لا يستطيع البقاء إلى أجل غير محدد تحت الضغوط الاقتصادية والبحرية، كما لا تستطيع الولايات المتحدة إدارة أزمة هرمز وارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة من دون تحمل كلفة، ولذلك يمتلك الطرفان، حتى إذا تبنّيا علناً مواقف متشددة إلى أقصى حد، دوافع للإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، ويبقى السؤال الأساس: أي الطرفين سيصل أولاً إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة تقديم تنازلات؟
إنها لعبة صبر واستنزاف، لكنها في الوقت نفسه لعبة ترتفع فيها أخطار سوء التقدير إلى مستويات كبيرة، فنهاية مهلة الـ60 يوماً ليست نهاية الأزمة ولا نهاية الدبلوماسية، بل بداية مرحلة يتعين فيها على الطرفين تحديد كيفية استخدام أوراق الضغط التي يمتلكانها، من دون أن تتحول هذه الأوراق نفسها إلى نقاط ضعف، والاختبار الحقيقي يبدأ الآن، ليس في معرفة من يستطيع إطلاق تهديدات أكثر، بل في معرفة من يستطيع تحديد اللحظة الأنسب للتسوية.







