حرية
تتصاعد المخاوف في بريطانيا من انتقال المواجهة مع روسيا إلى مرحلة أكثر خطورة، بعد تقارير صحفية تحدثت عن استعدادات أمنية وعسكرية بريطانية لاحتمال تعرض أهداف عسكرية ودفاعية داخل البلاد لهجوم روسي مباشر خلال الفترة المقبلة.
وقالت صحيفة «دايلي ميل» البريطانية، اليوم الأربعاء 26 آب 2026، إن مستشارين وخبراء عسكريين حذروا رئيس الوزراء البريطاني أندي برنهام من احتمال استهداف روسيا للبنية التحتية العسكرية والدفاعية البريطانية، على خلفية تنامي الدعم الذي تقدمه لندن لأوكرانيا.
وبحسب التقرير الذي ترجمته «بغداد اليوم»، فإن التحذيرات تركز بصورة خاصة على احتمال استهداف منشآت ومصانع مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة في بريطانيا، رداً على توسيع لندن دعمها العسكري المباشر لكييف.
وأضافت الصحيفة أن رسائل وصلت من العاصمة الأوكرانية كييف تشير إلى أن روسيا قد تتجه إلى تنفيذ عمليات ضد منشآت بريطانية مرتبطة بالصناعات الدفاعية، في إطار ردها على الدور البريطاني المتزايد في الحرب.
ونقلت الصحيفة كذلك عن مصادر لم تسمها أن أجهزة استخبارات أمريكية أبلغت نظيرتها البريطانية بوجود مخاطر متزايدة من هجوم روسي محتمل، مشيرة إلى زيارة عاجلة أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى موسكو، من دون الكشف عن تفاصيل تلك الزيارة.
وفي المقابل، وجه رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية جون راتكلف تحذيراً إلى موسكو من مغبة توسيع دائرة الصراع، داعياً إلى تجنب استخدام الأسلحة النووية أو توجيه ضربات عسكرية إلى الدول الحليفة لأوكرانيا.
ونقلت «دايلي ميل» عن مسؤول عسكري بريطاني رفيع المستوى قوله إن مستوى التصعيد بات مقلقاً، مستخدماً تعبيراً تحذيرياً مفاده: «إلى متى سنقوم بنكز الدب بالعصا قبل أن يقوم بالعض رداً علينا؟».
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع رفع الحكومة البريطانية مستوى دعمها العسكري لأوكرانيا، بما في ذلك مشاركة معلومات استخبارية حول مواقع وقدرات القوات الروسية، فضلاً عن تقديم مخططات مرتبطة بتصنيع الصواريخ، وفق ما أوردته الصحيفة.
إذا صحت المعطيات التي أوردتها الصحيفة، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال استهداف منشأة بريطانية، وإنما في انتقال الحرب الروسية الأوكرانية من ساحة المعارك المباشرة إلى مواجهة أوسع بين روسيا والدول الغربية الداعمة لكييف.
فبريطانيا لم تعد تكتفي بالدعم السياسي والمالي لأوكرانيا، بل تتحرك بصورة أكثر انخراطاً في المجال العسكري والاستخباري. وكلما ارتفع مستوى هذا الدعم، ارتفعت في المقابل احتمالات اعتبار موسكو الأراضي والمنشآت المرتبطة بالدول الداعمة أهدافاً مشروعة للرد، وفق الحسابات الروسية.
لكن الحديث عن «هجوم حتمي» أو وشيك يحتاج إلى التعامل معه بحذر، خصوصاً أن المصدر الأساسي لهذه المزاعم هو تقرير صحفي يستند إلى مصادر غير معلنة. ولا يعني وجود تحذيرات استخبارية بالضرورة أن قراراً روسياً نهائياً بشن هجوم على بريطانيا قد اتُخذ.
مع ذلك، فإن مجرد وصول لندن إلى مرحلة الاستعداد لسيناريو استهداف مباشر يكشف حجم التحول في طبيعة الصراع. فالمواجهة لم تعد محصورة في أوكرانيا، بل أصبحت مرتبطة بشبكة أوسع من الدعم الاستخباري والتسليحي والتقني الذي تقدمه الدول الغربية لكييف.
وتكمن الحساسية الأكبر في أن أي ضربة روسية مباشرة داخل الأراضي البريطانية ستفتح الباب أمام سؤال بالغ الخطورة: هل ستعتبرها بريطانيا هجوماً على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي يستوجب رداً جماعياً؟
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً، لأن الانتقال من الدعم غير المباشر لأوكرانيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا ودولة عضو في الحلف قد يرفع مستوى التصعيد إلى درجة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
كما أن التحذيرات المتعلقة بالأسلحة النووية تضيف بعداً أكثر خطورة إلى المشهد، إذ إن موسكو والغرب يدركان أن أي سوء تقدير في هذه المرحلة يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من الإجراءات والردود يصعب احتواؤها.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن بريطانيا تراهن على أن استمرار دعم أوكرانيا هو الوسيلة لمنع روسيا من تحقيق أهدافها العسكرية، بينما تراهن موسكو على رفع كلفة هذا الدعم عبر الضغط على الدول التي توفره.
وبالتالي، فإن الصراع يتحول تدريجياً إلى معركة إرادات بين موسكو ولندن وحلفائها: روسيا تريد منع الغرب من تحويل الدعم إلى مشاركة عسكرية مباشرة، فيما تريد بريطانيا الحفاظ على قدرتها على دعم أوكرانيا من دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف مباشر في الحرب.
والخطر الأكبر في هذه المعادلة ليس بالضرورة قراراً متعمداً بالحرب، بل سوء تقدير قد يؤدي إلى ضربة محدودة، يعقبها رد، ثم رد مضاد، وصولاً إلى مسار تصعيد لا يريده أي طرف لكنه يصبح أصعب في الإيقاف.
لذلك، فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة لندن وموسكو على إبقاء المواجهة ضمن حدودها الحالية، خصوصاً مع استمرار تدفق الدعم العسكري الغربي إلى أوكرانيا وتزايد التحذيرات الروسية من تداعياته.
الخلاصة: بريطانيا أمام معادلة دقيقة؛ فهي تريد دعم أوكرانيا وإضعاف القدرة العسكرية الروسية، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بمنع تحول هذا الدعم إلى شرارة مواجهة مباشرة بين موسكو والغرب. وأي انتقال للصراع إلى استهداف الأراضي البريطانية لن يكون مجرد تطور عسكري، بل قد يمثل نقطة تحول استراتيجية تعيد رسم قواعد المواجهة في أوروبا.







