حرية
كشفت هيئة النزاهة الاتحادية عن ضبط شبكة مكوّنة من 11 متهماً في محافظة بابل، بينهم 6 موظفين في المصرف العقاري و5 معقّبين، على خلفية شبهات تتعلق بتزوير معاملات القروض والتلاعب بإضابير عقارية ووصولات التسديد، ما تسبب بإلحاق ضرر بالمال العام بلغ، وفق النتائج الأولية، أكثر من 543 مليون دينار.
وأوضحت الهيئة أن فريق عمل مكتب تحقيق بابل، المؤلف من محققين ومدققين وقانونيين، انتقل إلى المصرف لغرض مراجعة وتدقيق المعاملات، حيث رصد وجود شبكة تضم موظفين ومعقّبين يُشتبه بقيامها بتزوير معاملات قروض المصرف العقاري، بما فيها قرض الوديعة ومبادرة البنك المركزي.
وأشارت إلى أن أعمال التدقيق كشفت عن وجود تلاعب في 56 إضبارة، إلى جانب تزوير سندات عقارات والتلاعب في جنسها وتحريف بياناتها، فضلاً عن تزوير بيانات البيع وإطفاء قروض مرتبطة بقرض الوديعة.
وبحسب الهيئة، فقد شملت المخالفات المرصودة رفع الحجز عن عقارات بموجب وصولات تسديد وهمية، وترحيل أقساط من دون تسديدها، فضلاً عن إعادة استخدام العقارات ذاتها للحصول على قروض ضمن مبادرة البنك المركزي.
كما كشفت التحقيقات عن الحصول على استثناءات من خلال معاملات غير أصولية، ووجود تلاعب في وصولات وكروت التسديد، إلى جانب ضبط وصولات وهمية وأخرى غير مؤرخة أو خالية من الأرقام.
ولم تقتصر التجاوزات، وفق الهيئة، على إجراءات القروض والعقارات، إذ أشارت إلى قيام المتهمين بمطالبة بعض المقترضين بمبالغ مالية سبق تسديدها وتسويتها، في مخالفة تعكس، بحسب نتائج التحقيق الأولية، حجم التلاعب الذي طال معاملات القروض وملفات المقترضين.
أوامر قبض وضبط مستندات وأموال
وأعلنت الهيئة تنفيذ أوامر القبض بحق خمسة موظفين واثنين من المعقّبين، استناداً إلى أحكام المادتين 240 و316 من قانون العقوبات، فيما تتواصل الإجراءات لتنفيذ أوامر القبض بحق بقية المتهمين.
وخلال العملية، جرى ضبط سجلات وبطاقات تسديد قروض وأختام وأوليات متفرقة تعود إلى المصرف العقاري، فضلاً عن ضبط مبالغ مالية ومصوغات ذهبية في منازل عدد من المتهمين الذين شملتهم عمليات التفتيش.
وبيّنت الهيئة أن الضرر الذي لحق بالمال العام بلغ، وفق ما تم التوصل إليه حتى الآن، 543 مليوناً و168 ألف دينار، مع احتمال تغير قيمة الضرر بعد استكمال التدقيق والتحقيق في جميع الإضابير والمعاملات محل الشبهة.
كما أشارت إلى صدور قرار من قاضي التحقيق المختص بإيداع أصول الإضابير المضبوطة لدى مدير المصرف، مع التأكيد على عدم التصرف بها، باعتبارها من الأدلة المرتبطة بالقضية والتحقيقات الجارية.
تكشف هذه القضية عن ثغرة خطيرة في منظومة إدارة القروض العقارية، إذ إن التلاعب المزعوم لم يقتصر على مستند واحد أو معاملة منفردة، وإنما امتد إلى سلسلة من الإجراءات تبدأ من ملف العقار وتمر بوصولات التسديد والأقساط والاستثناءات، وصولاً إلى استخدام العقار ذاته للحصول على تمويل جديد.
والأخطر في القضية هو وجود موظفين داخل المصرف إلى جانب معقّبين ضمن الشبكة التي يجري التحقيق معها، إذا ما ثبتت الاتهامات قضائياً، لأن ذلك يشير إلى إمكانية استغلال المعرفة بالإجراءات المصرفية والقدرة على الوصول إلى الملفات والأنظمة الداخلية لتنفيذ عمليات التلاعب أو تمرير معاملات مخالفة.
كما أن اكتشاف 56 إضبارة محل تلاعب يفرض توسيع دائرة التدقيق وعدم الاكتفاء بالمعاملات التي جرى ضبطها، خصوصاً أن وجود وصولات وهمية وأخرى غير مؤرخة أو غير مرقمة يطرح تساؤلات حول آليات الرقابة الداخلية ومدى قدرة المصرف على مطابقة السجلات الورقية والإلكترونية والتأكد من صحة عمليات التسديد.
أما إعادة استخدام العقارات نفسها للحصول على قروض جديدة، فهي نقطة شديدة الحساسية؛ لأنها قد تكشف عن ثغرات في آلية التحقق من الضمانات العقارية، وقد تسمح، في حال استمرارها، بتدوير الضمانات للحصول على تمويلات متعددة بصورة غير قانونية.
وتحمل القضية كذلك بعداً أوسع يتعلق بحماية المال العام. فالمبلغ الذي أعلنته الهيئة يمثل الضرر المثبت حتى الآن، وليس بالضرورة القيمة النهائية للملف، إذ إن استمرار التدقيق قد يكشف معاملات أخرى أو أضراراً إضافية.
وبالتالي، فإن أهمية العملية لا تكمن فقط في القبض على عدد من المتهمين، بل في اختبار قدرة الأجهزة الرقابية والمصرفية على تفكيك آليات الفساد من جذورها، ومراجعة جميع معاملات القروض التي تحمل مؤشرات مشابهة، وتشديد الرقابة على الاستثناءات والتسديدات والضمانات العقارية، لمنع تحول القروض المدعومة حكومياً إلى بوابة لاستنزاف المال العام.
وتبقى الكلمة الفصل للقضاء في تحديد المسؤوليات وإثبات التهم، فيما تمثل القضية، في حال ثبوتها، نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لثغرات إدارية ورقابية متراكمة أن تتحول إلى شبكة منظمة للتلاعب بالائتمان والضمانات وأموال الدولة.







