حرية
تتحول بولندا بسرعة إلى إحدى أكبر القوى العسكرية في أوروبا، مدفوعة بالحرب الروسية–الأوكرانية وموقعها عند الخاصرة الشرقية للقارة، إذ كشف وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي أن بلاده تنفق نحو 50 مليار دولار سنوياً على الدفاع، مؤكداً أن لديها من الدبابات والألوية القابلة للنشر أكثر مما تملكه ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة، بالتوازي مع مطالبة وارسو بأن تكون حاضرة في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بأوكرانيا وأمن شرق أوروبا.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، استناداً إلى مقابلة موسعة أجراها سيكورسكي مع موقع “European Pravda” الأوكراني، قال الوزير البولندي: “ننفق 50 مليار دولار سنوياً على الدفاع”، مضيفاً: “لدينا دبابات وألوية عسكرية قابلة للنشر أكثر من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة”.
ويعكس هذا التصريح حجم التحول الذي تشهده القدرات العسكرية البولندية، إذ رفعت وارسو إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فيما تشير بيانات حديثة إلى أن نفقاتها الأساسية على الدفاع في 2026 تقترب من 53 مليار يورو.
وانطلاقاً من هذه القدرات وموقع بولندا الجيوسياسي، شدد سيكورسكي على أن بلاده تريد أن تكون جزءاً من أي مفاوضات سلام مستقبلية تخص أوكرانيا، مشيراً إلى أنها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تتشارك حدوداً مع كل من روسيا وأوكرانيا، وأن نتيجة أي تسوية ستنعكس عليها مباشرة.
وقال إن بولندا تنقل عبر أراضيها 95% من مجمل المساعدات الدولية المتجهة إلى أوكرانيا، كما تؤمّن الحماية للمراكز اللوجستية الحيوية التي تمر عبرها تلك المساعدات.
وأضاف: “الأيام التي كان فيها غرب أوروبا يقرر أمننا في شرق أوروبا يجب أن تبقى جزءاً من التاريخ السيئ”، في رسالة واضحة إلى العواصم الغربية بشأن دور وارسو في ترتيبات الأمن المقبلة.
لكن سيكورسكي لم يكتفِ بالحديث عن القدرات العسكرية، بل وجّه رسائل مباشرة إلى كييف بشأن طريقها نحو الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن بولندا لن تستخدم حق النقض لتعطيل فتح فصول التفاوض، مع تحذيره في الوقت نفسه من أن الانضمام لن يكون مساراً سهلاً.
وقال إن “الزراعة ستكون موضوعاً صعباً بالنسبة إلى الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد، وليس بالنسبة إلى بولندا فقط”، مشيراً إلى الاختلاف الكبير في بنية القطاع الزراعي بين أوكرانيا ودول الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن سياسات التجميع الزراعي و”الهولودومور” في الحقبة السوفياتية أدت، بحسب قوله، إلى تدمير آلاف المزارع الصغيرة في أوكرانيا، بينما توجد اليوم شركات زراعية ضخمة تمتلك مساحات تصل إلى عشرات آلاف الهكتارات، وهو نموذج مختلف عن نمط ملكية الأراضي السائد داخل الاتحاد الأوروبي.
وأشار كذلك إلى أن أوكرانيا تمتلك أراضي زراعية شديدة الخصوبة وقدرة تنافسية كبيرة، ما يجعل دخولها السوق الأوروبية مسألة حساسة بالنسبة إلى قطاعات زراعية داخل عدد من الدول الأعضاء.
واستعاد سيكورسكي أزمة الحبوب الأوكرانية، موضحاً أن بولندا سمحت بمرورها عبر أراضيها عندما أغلقت روسيا طرق التصدير عبر البحر الأسود، إلا أن جزءاً كبيراً من تلك الحبوب بقي داخل السوق البولندية بدلاً من الوصول إلى وجهاته التقليدية في مصر والصين، ما أدى إلى تراجع الأسعار واندلاع احتجاجات واسعة للمزارعين البولنديين.
ولفت أيضاً إلى أن قطاع النقل سيكون من الملفات الصعبة خلال مفاوضات الانضمام، بسبب قدرة سائقي الشاحنات الأوكرانيين على المنافسة بصورة أكبر من نظرائهم البولنديين.
وقال سيكورسكي إن كييف ستواجه “قرارات مؤلمة” خلال الطريق إلى الاتحاد، مضيفاً: “نحتاج إلى حلول مبتكرة. عليكم أن توازنوا بين المصالح المختلفة وأن تحسبوا جيداً ما هي مصلحتكم الوطنية الحقيقية”.
وتوقف وزير الخارجية البولندي عند الخلافات التاريخية بين البلدين، ولا سيما قضية مجازر فولين خلال الحرب العالمية الثانية والجدل بشأن تمجيد شخصيات أوكرانية تاريخية مثيرة للخلاف.
ووجّه رسالة مباشرة إلى القيادة الأوكرانية قائلاً: “كل دولة تقرر من هم أبطالها، لكن قل لي من هم أبطالك أقل لك من أنت”.
وأضاف أن لدى أوكرانيا اليوم عدداً كبيراً من “الأبطال الحقيقيين”، وفق تعبيره، في الحرب ضد روسيا، داعياً الأوكرانيين إلى الحذر عند اختيار شخصيات تاريخية لتكريمها، لأن “بعضهم لديه ماضٍ مختلط وإشكالي، على أقل تقدير، ولا نحتاج إلى مزيد من الخلافات التاريخية”.
وفي المقابل، شدد سيكورسكي على إمكان تجاوز الخلافات التاريخية، قائلاً إن “المصالحة ليست بالضرورة بين الإخوة والأصدقاء، بل غالباً ما تكون بين أعداء سابقين”.
وأضاف: “إذا تمكنت ألمانيا وفرنسا من إطلاق عملية التكامل الأوروبي بعد 5 سنوات فقط من الحرب العالمية الثانية، التي كانتا تقتلان فيها بعضهما، فنحن أيضاً نستطيع”.
كما هاجم السياسي البولندي اليميني المتطرف غريغور براون، واصفاً إياه بأنه “فاشي ومعادٍ للسامية ومجرم”، وقال إنه يمثل هامشاً متطرفاً في السياسة البولندية ولا يريد أحد التحالف معه، وهي تصريحات وردت في المقابلة الأصلية.
وأنهى سيكورسكي الجزء المتعلق بالعلاقة مع أوكرانيا بالتأكيد أن الطريق إلى الاتحاد الأوروبي سيتطلب تنازلات وحلولاً غير تقليدية، محذراً من أن المصالح الاقتصادية والزراعية والنقلية لكل طرف ستظل جزءاً أساسياً من عملية التفاوض.
وكان الوزير البولندي قد رفع سقف خطابه تجاه موسكو قبل أيام، معتبراً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخفق في مشروع إعادة روسيا إلى موقع القوة العظمى التي تنافس على قيادة النظام الدولي.
وقال سيكورسكي إن الحرب أضعفت روسيا وزادت اعتمادها على الصين، واعتبر أن موسكو لا تمتلك القدرة على مواجهة دول الناتو في حرب مباشرة.
وأضاف في تصريحات منفصلة: “إذا هاجمتنا روسيا وخلعنا القفازات، أعتقد أننا سنهزم روسيا بسرعة إلى حد كبير”، مستنداً إلى ما وصفه بالتفوق الكبير لسلاح الجو لدى دول الحلف.
وتابع: “إذا تمكن الأوكرانيون من تعطيل نصف قدرة التكرير الروسية خلال 6 أشهر، فنحن نستطيع فعل ذلك خلال 6 أسابيع وتعطيل النصف الآخر”، في موقف يعكس مستوى التصعيد في الخطاب البولندي حيال موسكو.
وبين إنفاق دفاعي بعشرات مليارات الدولارات، وترسانة برية متنامية، وموقع يشكل ممراً رئيسياً للمساعدات إلى أوكرانيا، تسعى بولندا إلى ترجمة صعودها العسكري إلى نفوذ سياسي أكبر داخل أوروبا، بحيث لا تبقى وارسو مجرد خط دفاع أمامي، بل طرفاً يريد مقعداً على الطاولة عندما تُرسم ترتيبات الأمن والحرب والسلام في القارة.






