حرية
بقلم أحمد الحمداني
توقف الرحلات الإيرانية إلى بغداد في ظل العقوبات الأميركية والقيود التي تواجهها شركات الطيران الإيرانية ليس خبراً عابراً في صفحة الطيران والنقل بل مؤشر على تحولات أكبر تجري حول العراق والسؤال الذي يجب أن نطرحه في بغداد ليس هل نقف مع واشنطن أم مع طهران السؤال الأهم هو أين مصلحة العراق؟
لسنوات طويلة اعتاد العراق أن يتعامل مع الأزمات الإقليمية بوصفه الطرف الذي عليه امتصاص تداعياتها عقوبات على دولة مجاورة وتوتر بين قوتين وأزمة طاقة وإغلاق حدود واضطراب في التجارة وفي النهاية يبدء العراقيون بحساب حجم الخسائر ولماذا لا يتعلم العراق كيف يحول أزمات المنطقة إلى فرص اقتصادية إذا تراجعت قدرة شركات طيران أجنبية على العمل في السوق العراقية فيجب ألا تكون الأولوية البحث عن شركة أجنبية أخرى تملأ الفراغ بل دراسة قدرة الناقل الوطني والشركات العراقية على الحصول على حصة أكبر من سوق النقل ضمن القوانين والالتزامات الدولية المسافر موجود والسوق موجود والطلب موجود فلماذا تخرج الإيرادات من العراق إذا كانت لدينا القدرة على بناء قطاع عراقي يستوعب جزءا أكبر منها
وهذا المنطق يجب ألا يتوقف عند الطيران العراق يدفع مليارات الدولارات سنويا إلى الخارج مقابل الطاقة والسلع والخدمات في الوقت الذي يمتلك فيه الغاز والنفط والأراضي والموارد البشرية وموقعا جغرافيا استثنائيا وسوقاً تضم عشرات الملايين من المستهلكين وهنا تكمن المشكلة الحقيقية نحن بلد غني بالموارد لكنه ما زال يشتري الكثير مما يستطيع إنتاجه ويدفع مقابل خدمات يستطيع تطويرها ويترك للآخرين فرصا اقتصادية كان يمكن أن تكون عراقية وفي الطاقة تحديداً ينبغي أن تكون كل أزمة في الإمدادات الخارجية سبباً إضافياً لتسريع استثمار الغاز العراقي وليس مناسبة للبحث عن مورد خارجي جديد فإذا استبدلنا الاعتماد على دولة بالاعتماد على دولة أخرى فنحن لم نحل المشكلة بل غيرنا عنوانها فقط والأمر نفسه ينطبق على النقل والتجارة والصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية ان العراق يقع في قلب منطقة تربط الخليج بإيران وتركيا وتربط آسيا بأوروبا هذه الجغرافيا يمكن أن تكون عبئا عندما تغيب الاستراتيجية لكنها تستطيع أن تتحول إلى ثروة عندما نحسن إدارتها أما سياسيا
فالعراق ليس مضطرا إلى الاختيار بين علاقاته مع إيران وعلاقاته مع الولايات المتحدة إيران دولة جارة تربطنا بها مصالح اقتصادية واجتماعية وجغرافية واسعة والولايات المتحدة شريك دولي مهم للعراق كما أن دول الخليج وتركيا وأوروبا وآسيا تمثل دوائر أساسية في مصالحنا الاقتصادية السياسة الذكية ليست في اختيار محور ضد محور بل في بناء عراق يحتاج الجميع إلى التعامل معه
وهنا يجب أن تتقدم المصلحة الوطنية على لغة الاصطفافات ليس المطلوب أن يخاصم العراق إيران لكي يقترب من أميركا ولا أن يغامر بمصالحه الدولية لكي يثبت علاقته بإيران المطلوب أن يقول للطرفين ولغيرهما بوضوح إن لدينا مصالحنا أيضا وإذا كانت التحولات الحالية ستعيد رسم جزء من حركة الطيران والتجارة والطاقة في المنطقة فعلى العراق أن يجلس إلى الطاولة بصفته دولة تبحث عن حصتها الاقتصادية لا دولة تنتظر معرفة حجم الضرر الذي سيصل إليها نحن بحاجة إلى عقلية اقتصادية جديدة ترى في كل أزمة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات نعم فرصة ….
كم وظيفة يمكن أن نخلق كم دولارا يمكن أن نبقي داخل العراق كم خدمة يمكن أن نوطن وكم موردا مهملاً يمكن أن نحوله إلى إيراد للدولة ان الأزمة الحقيقية ليست في توقف طائرة إيرانية عن الهبوط في بغداد الأزمة أن تمر التحولات الكبرى من حولنا ثم نكتشف بعد سنوات أن الآخرين أعادوا ترتيب مصالحهم بينما بقينا نحن نحسب خسائرنا العراق يمتلك المال والموارد والموقع والسوق وما يحتاجه اليوم هو أن يحول هذه العناصر إلى قوة تفاوضية واقتصادية حقيقية ان العقوبات قد تضرب إيران والصراع قد يكون بين واشنطن وطهران لكن السؤال الذي يجب أن يشغل بغداد مختلف تماماً يجب ان نسأل كيف يخرج العراق من أزمات الآخرين أقوى اقتصادياً مما دخل إليها.







