حرية
صادق المجلس الوزاري للاقتصاد على مشروع موازنة 2027 وأرسلها إلى مجلس الوزراء تمهيداً لإقرارها وإرسالها إلى البرلمان في خطوة ينتظرها الكثيرون، نتيجة عدم إقرار موازنة العام الحالي وما تبعها من تراكمات مالية.
ومع وصول مشروع القانون إلى عهدة الحكومة تدور عدة تساؤلات بشأن شكل الموازنة ومبلغها والمشكلات التي ستعالجها في ظل أزمة مالية عاشها العراق على مدار العام الحالي، نتيجة تقليص صادرات النفط بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، استطلعت (حرية) رأي الخبير الاقتصادي مصطفى فرج الذي يؤكد أهمية أن تكون الموازنة وإدارتها ذكية، وشدد على ضرورة عدم اللجوء إلى الاقتراض.
من ثقافة الصرف إلى ثقافة النتائج
وعن هذا الموضوع يقول الخبير الاقتصادي مصطفى فرج في حديث لـ(حرية)، إن “العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى موازنة كبيرة، وإنما إلى موازنة ذكية؛ موازنة تعرف من أين تأتي الأموال، وأين تذهب، وما الذي سيحصل عليه المواطن مقابل كل دينار يُنفق، وإذا نجحنا في الانتقال من ثقافة الصرف إلى ثقافة النتائج، فستكون موازنة البرامج والأداء بداية حقيقية لإصلاح الإدارة المالية، وليست مجرد تغيير في طريقة إعداد الموازنة”.
ويضيف، أن “الحديث عن موازنة قد تقترب من 200 تريليون دينار يجب ألا يُنظر إليه من زاوية حجم الإنفاق فقط، وإنما من زاوية قدرة الدولة على توفير الإيرادات التي تموّل هذا الإنفاق بصورة مستدامة، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية”.
ويشير إلى، أنه “إذا كانت الدولة تتجه إلى موازنة بهذا الحجم، فعليها أن تقدم بالتوازي خريطة واضحة لمصادر التمويل، لأن المشكلة ليست في الرقم بحد ذاته، وإنما في الفجوة بين الإيرادات والنفقات وكيفية تمويلها دون زيادة الضغوط على الدين العام أو الاستقرار المالي”.
تحذير من الاقتراض
وبشأن العجز المتوقع والاقتراض، يوضح فرج، أن “تمويل العجز يمكن أن يتم من خلال مزيج من الإيرادات غير النفطية، وإدارة النفقات، واستخدام أدوات الدين، لكن الاقتراض يجب ألا يتحول إلى مصدر دائم لتمويل النفقات التشغيلية، بل ينبغي أن يرتبط بقدرة الدولة على السداد وبمشاريع أو إنفاق يحقق عائداً اقتصادياً، ويؤكد البنك المركزي أن العجز الفعلي في موازنات 2023–2025 كان أقل بكثير من العجز المخطط، وأن الاقتراض الفعلي لتلك الفترة بلغ 35 تريليون دينار وتمت تغطيته داخلياً”.
ويربط فرج بين الإيرادات المتوقعة والأوضاع الإقليمية المتعلقة بالحرب في إيران، ويرى، أنه “في حال تكرر إغلاق مضيق هرمز وتعطلت صادرات النفط أو تراجعت لفترة طويلة، فإن العراق سيكون أمام اختبار حقيقي لقدرته على إدارة السيولة، لأن البديل لا يمكن أن يكون الاقتراض وحده وفي هذه الحالة ستكون الأولوية لإدارة النفقات وترتيبها، والحفاظ على الإنفاق الضروري كالرواتب والخدمات الأساسية، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، والاستفادة من الاحتياطيات والهوامش المالية المتاحة، ثم اللجوء إلى الاقتراض وفق حدود مدروسة، أما الاقتراض الخارجي فلا ينبغي التعامل معه كحل سهل، لأنه يرتبط بشروط وكلف وخدمة دين مستقبلية”.
ويؤكد، أن “الحل الحقيقي لا يبدأ عند وقوع الأزمة، وإنما قبلها، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتوسيع القاعدة الضريبية والجمركية، وتطوير الجباية، وتقليل الاقتصاد النقدي، وتنشيط القطاعات الإنتاجية والخدمية. وهذه الاتجاهات تتوافق مع توجهات وزارة المالية نحو تعظيم الإيرادات وضغط النفقات والتحول إلى الجباية الإلكترونية”.
وعن الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء، يرى الفرج، أنها “خطوة مهمة، لكن نجاحها لا يتحقق بمجرد تغيير شكل جداول الموازنة وموازنة البرامج والأداء تعني أن نسأل كل وزارة: ماذا ستقدم للمواطن مقابل الأموال التي تحصل عليها؟ وما هو الهدف؟ وما هو مؤشر الإنجاز؟ وكم كلف تحقيق هذا الهدف؟”، وإذا كانت الوزارة تحصل على تخصيصات مالية من دون مؤشرات واضحة لقياس النتائج، فسنكون قد غيرنا اسم الموازنة من دون أن نغير فلسفة الإنفاق، أما إذا ارتبط التمويل بالنتائج، وأصبح هناك تقييم دوري للوزارات والمشاريع، فهنا يمكن أن ننتقل من موازنة تراقب كم أنفقنا إلى موازنة تسأل ماذا حققنا بهذا الإنفاق”.
ويشدد على، أن “الانتقال إلى موازنة البرامج يتطلب تكامل البيانات والتنسيق بين الوزارات وربط تخصيص الموارد بالبرامج والأهداف والنتائج، كما أن البنك المركزي العراقي اعتمد هذه المنهجية في موازنته لعام 2026، مع التركيز على البرامج والنتائج ومؤشرات الأداء والشفافية والمساءلة”.






